رسالة من الأستاذ الجامعي عادل يوسف الى شكيب الدرويش

01 ديسمبر 2018  (16:32) تقارير خاصة

رسالة مفتوحة إلى الأستاذ شكيب الدرويش المحلّل ببرنامج "تونس اليوم" بقناة "الحوار التونسي".

تحيّة طيّبة.

انهالت عليّ مساء أمس الأربعاء 28 نوفمبر 2018 المكالمات الهاتفية والإرساليات من طلبتي وزملائي وأصدقائي من المثقفين والسياسيّين بدعوتي إلى مشاهدة برنامج "تونس اليوم" على قناة الحوار التونسي الذي تنتجه الأستاذة المحترمة مريم بالقاضي بمشاركة الأستاذة الأفاضل شكيب الدرويش ولطفي العماري وضيوفهم. وكانت ضيفة مساء أمس الأستاذة المناضلة بسمة الخلفاوي زوجة الشهيد شكري بلعيد وموضوع الحديث هو مستجدات الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمّد البراهمي و الملف الذي قدمته هيئة الدفاع عن الشهيدين إلى النيابة العمومية في الفترة الأخيرة واللقاءات الإعلامية الدورية التي عقدتها الهيئة (وكنت قد حضرت إحداها بإحدى نزل مدينة سوسة يوم الأحد 18 نوفمبر 2018 بترتيب من الصديق الأستاذ سهيل مديمغ)، وكان آخرها لقاء الهيئة بسيادة رئيس الجمهورية، الأستاذ الباجي قايد السبسي بقصر قرطاج لإحاطته علما بجديد ملف الشهيدين: التنظيم السري لحركة النهضة والغرفة السوداء بوزارة الداخلية ومماطلة النيابة العمومية والمؤسّسة القضائية سوء تعاملها مع ملف القضية...

وأثناء حديثها عن جديد القضية، كانت أرملة الشهيد شكري بلعيد، الأستاذة بسمة الخلفاوي تمسك بكتاب الأستاذ أحمد نظيف. وهو صحفي من مواليد سنة 1985 بتطاوين وخريج معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس وناشط سابق في الاتحاد العام لطلبة تونس، كان قد صدرفي حقه سنة 2006 حكما بالسجن لمدة 06 أشهر سجن مع عدد من نشطاء المنظمة الطلابية اليساريّين بسبب معارضتهم لنظام بن علي.

و شاءت الصدف أن يلتقي الطالب السجين أثناء إقامته بالسجن بعدد من سجناء ما يعرف بتنظيم "مجموعة سليمان" التي حاولت قلب نظام الحكم سنة 2005 لكنها انكشفت وزُجّ بكامل أفرادها في السجون بعد صدور أحكام قاسية ضدهم ولم يغادروها إلا بعد 14 جانفي 2011 في إطار ما يعرف بالعفو التشريعي العام الذي سنه رئيس الحكومة السابق، السيّد محمّد الغنوشي يوم 19 فيفري 2011.

وأثناء وجوده في السجن تقاسم مؤلف الكتاب، الأستاذ أحمد نظيف مع أفراد التنظيم "الماء والملح" (كما يقال في المثل الشعبي التونسي) وحدّثه بعضهم عن التنظيم السري الذي انتموا إليه وطبيعة المحاولة الانقلابية سنة 2006 المعروفة بـ "حادثة سليمان" ونشاطهم في حركة الاتجاه الإسلامي وتنظيمات دولية أخرى... وخاصة تخطيطهم في مناسبتين للانقضاض على الحكم زمن بورقيبة (يوم 08 نوفمبر 1987) وبدايات حكم بن علي فيما يعرف بمحاولة "برّاكة الساحل" (سنة 1991) واللتان قِيل وكُتب عنهما الكثير بعد 14 جانفي 2011: حوارات إذاعية وتلفزية ومقالات ومنشورات، كان من بينها كتاب أعده الأستاذ أحمد نظيف بنفسه بعنوان: "المجموعة الأمنية الجهاز الخاص لحركة الإسلامية في تونس وانقلاب 1987" في 218 صفحة والصادر في أكتوبر 2017 عن "ديار للنشر والتوزيع" التي يديرها الصديق والمناضل السوري المقيم منذ سنة 1982 بتونس، الأستاذ الشاعر الهادي دانيال.

وقبيل صدور الكتاب طلب مني الصديق الدكتور أحمد المناعي (مدير معهد تونس للعلاقات الدولية وصديق الأستاذ الهادي دانيال) الاطلاع على نصّ الكتاب (مخطوط) وإبداء الرأي في مضمونه وتخطيطه ... وبحكم اختصاصي في التاريخ المعاصر وتاريخ الزمن الراهن بالجامعة التونسية (بحثا وتدريسا)، قمت بقراءة الكتاب وتصويب بعض الجوانب والنقائص التاريخية الطفيفة الواردة به وتقديم بعض المقترحات المنهجية الخاصة بكتابة تاريخ الزمن الراهن، لا سيّما في كل ما تعلّق الأمر بالكتابة عن تنظيم سري لحركة سياسية ذات مرجعيات دينية وغير معترف بها مثل حركة الاتجاه الإسلامي موضوع الكتاب.

وأثناء الحوار الذي دار بين الأستاذة المحترمة مريم بالقاضي وضيفتها الفاضلة حول التنظيم السري لحركة النهضة، استشهدت الأستاذة بسمة الخلفاوي بالكتاب المذكور أعلاه للأستاذ أحمد نظيف وأثنت على مضمونه وخطورة المعلومات الواردة به ... التي تكشف عن طريقة عمل حركة النهضة منذ نشأتها سنة 1981 إلى غاية اليوم... فما كان من الأستاذ شكيب الدرويش إلا أن قاطعها بارتباك وتشنج قائلا: " منذ سنوات أتابع ما يكتبه الصحفيّ أحمد نظيف من مقالات ومنشورات وأثمنها ... لكني أعيب عليه عدم التسلّح بآليات المؤرّخ الرصين وأخذ مسافة زمنية كافية للكتابة في مثل هذه المواضيع... وأنّ الدكتور عادل بن يوسف الذي قام بتقديم الكتاب قد "أساء له" كما يمكنكم مشاهدة ذلك على الرابط التالي انطلاقا من الدقيقة: 01.33 د !

http://www.elhiwarettounsi.com/…/replay-episode-48-11818.ht…

 

لا أريد أن أدخل في جدل عقيم حول مضمون الكتاب ومادته ومصادره... لكن أودّ القيام بتدقيق بعض الجوانب المتصلة من قريب أو بعيد بهذا الكتاب اليتيم عن التنظيم السرّي أو المجموعة الأمنية لحركة الاتجاه الإسلامي:

 

1- لا يعدّ كتاب الأستاذ أحمد نظيف الكتاب الوحيد الذي قدّمتُ ولا أزال أقدم إلى غاية اليوم و في منابر ثقافية وأكاديمية مختلفة لأصدقاء وزملاء وسياسيين ورجال دولة وفكر من مختلف المشارب والاتجاهات... نذكر من بينهم إصدارات وزير الثقافة السابق، الأستاذ أحمد خالد عن الشيخ عبد العزيز الثعالبي والزعيمين فرحات حشاد والهادي نويرة (بالمعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية سنة 2005 وبالمركب الثقافي محمِّد معروف بسوسة سنة 2006) ومذكرات كل من الوزير والطبيب السابق لبورقيبة، الدكتور عمر الشاذلي (بنادي الأجيال بالمنستير في ماي 2012) والوزير الأول الأسبق الهادي البكوش (بمعرض سوسة الدولي للكتاب يوم 28 أفريل 2018) و كتاب "جهاز الشرطة في تونس زمن الاستعمار (1897-1956)" إلى جانب تصدير وزير الداخلية السابق الأستاذ الطاهر بلخوجة، منشورات محمّد علي ومخبر الدراسات المقارنة والمتناهجة بجمعة صفاقس، صفاقس، أكتوبر 2017، 398 صفحة. وهي في الأصل أطروحة دكتوراه في التاريخ المعاصر ناقشها تحت إشرافي في رحاب كليّة الآداب والعلوم الانسانية بسوسة، الضابط ياسين العوني (محافظ شرطة أول) يوم 14 ديسمبر 2015 ونالها بملاحظة "مشرف جدا" مع توصية بالنشر...، وآخرها - وهو إصدار تحت الطبع - بيوغرافيا عن المناضل والوزير السابق ورجل الدولة طيلة الحكم البورقيبي، الأستاذ عبد الله فرحات (1914-1985). وهي في الأصل رسالة ماجستير بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة أعدها تحت إشرافي الطالب أشرف الذيبي ونالها بملاحظة "حسن جدا" يوم 28 جوان 2018 بعد مناقشة علنية مطوّلة من طرف لجنة علمية ترأسها الأستاذ عبد الواحد المكني (رئيس جامعة صفاقس) وعضوية الأستاذ محمّد الجربي (نائب عميد كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس) وعبدكم المتواضع. ولا أظن الأستاذ شكيب الدرويش القدرة على تقييم كتاب تاريخي أو تصدير الخاص به لكونه، ليس من أهل الاختصاص فحسب، ولكن نظرا لانتماءه للحركة التي ينتمي لها هذا التنظيم !

وللإفادة أدعو القرّاء الكرام إلى الاطلاع على نصّ تصدير الكتاب كاملا:

https://transfernow.net/53f9o1v9ez28

وليس كتاب " المجموعة الأمنية " بالكتاب الوحيد للأستاذ أحمد نظيف بل سبق له أن أصدر في فيفري 2016 عن المعهد التونسي للعلاقات الدولية كتابا بعنوان: " بتادق سائحة: تونسيون في شبكات الجهاد العالمي"، تحدث فيه بإطناب عن آلاف الشابات والشبان التونسيين والعرب الذين زُجّ بهم في أتون صراع اقليمي حول سوريا الآمنة بحجة الجهاد وهي في اعتقادي واعتقاد أغلب المختصين حرب لا ناقة لتونس ولا لبقية الدول العربية فيها ولا جمل بل كانت بغاية تدمير العالم العربي خدمة للكيان الصهيوني وحلفائه بالمنطقة !

2- إنّ الأستاذ أحمد نظيف لم يقتبس كتابه من "نور قذفه الله في صدره" - على حد قول الإمام الغزالي -، بل استقى مادته من وثائق أصلية: رسائل ومنشورات وتقارير أمنية حول التنظيم السري ومذكرات... تأتي في مقدمتها :

- رسالة الوجه التاريخي للحركة، الدكتور المرحوم المنصف بن سالم إلى الدكتور أحمد المناعي (حوالي 60 صفحة).

- شهادة الشيخ المرحوم صالح كركر أحد المؤسّسين الخمسة للحركة سنة 1981 حول المجموعة الأمنيّة.

- شهادة أبي مصعب السوري أو مصطفى بن عبد القادر (أكبر منظر عقائدي ومخطّط استراتيجي لتنظيم القاعدة) حول المجموعة الأمنيّة في تونس سنة 1987 معتبا إيّاها ضمن "المحاولات الجهادية للحركات الاسلامية في التاريخ المعاصر".

- برقيّة من أعضاء المجموعة الأمنيّة أو "مجموعة الإنقاذ الوطني" المتكوّنة من مدنيّين وأمنيّين وعسكريّين ...، إلى رئيس الحكومة المهدي جمعة بتاريخ 25 جانفي 2013 ...

- عشرات المراجع العربية والغربية الهامة وخاصّة الحديثة منها حول ظاهرة الإسلام السياسي: مؤلفات – مقالات – حوارات لمنتجي برامج تلفزية بقنوات تونسية وعربية ... حوارات مع رموز الحركة الإسلامية في الحكم بعد 14 جانفي 2011 ... أو ممّن انشقّوا عنهم وغادروا الحركة قبل أو بعد هذا التاريخ المفصلي.

يضاف إلى كل ذلك مذكرات المرحوم الأستاذ المنصف بن سالم (القيادي السابق في حركة الاتجاه الإسلامي) بعنوان " شهادات حية عن الاضطهاد الفكري واستهداف الإسلام في تونس "، الصادرة بالكويت سنة 2014 في 118 صفحة، والتي بالمناسبة سُحبت من السوق "بقدرة قادر" (على حد قول الأستاذ لطفي العمّاري في تدخله في حوار "تونس اليوم" في نفس الحلقة) وتصريحات وشهادات شفوية من فاعلين من داخل التنظيم السري وقيادييّن في حركة الاتجاه الإسلامي سابقا أو من خارجه ممّن جمعتهم علاقات وطيدة بإسلاميي المهجر ونخصّ بالذكر منهم الدكتور أحمد المناعي (الذي كان بمثابة الصديق وقت الضيق للكثير منهم في سنوات المحنة بباريس، كنصوح ومحرّر ومقدّم لهم للعديد من الشخصيات والمنظمات الدولية والإذاعات والقنوات والصحف وخاصة كمترجم للكثير من كتاباتهم ومراسلاتهم - إن لم نقل جلها - بحكم جهلهم للغة الفرنسية وعيشهم في شبه عزلة ببيوت وغرف مغلقة بباريس ولندن وفرانكفورت على أموال الزكاة التي يرسلها لهم بسخاء من لندن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ورئسه يوسف ندا... وأعوانه، لكنهم للأسف تنكروا له بعد وصولهم إلى الحكم بتونس في سنة 2011 ورفضوا حتى تسديد أجرة المحامي الفرنسي الذي كلّفه من ماله الخاص للدفاع عن الأستاذ المنصف بن سالم في إحدى محاكماته زمن بن علي رفم حصوله على تعويضات مالية تقدر بمئات الآلاف من الدنانير في سنة 2014 جراء طرده من وزارة التعليم العالي بين 1984 و 2011...)، والكثير ممّن التقى بهم داخل وخارج السجن.

3- رغم احترامي الكبير للأستاذ شكيب الدرويش كـ "كرونيكار" أو محلّل سياسي ومُحاورٍ لعديد الشخصيات السياسة الوطنية وإلمامه بالكثير من الجوانب المتصلة بتاريخ تونس المعاصر ومجال اختصاصه القانوني...، فإنه لا يمكن له بأيّ حال من الأحوال إنكار انتماءه إلى حركة النهضة ومحاكمته في أواخر زمن بن علي وصدور حكم في حقه بسبب تورطه في محاولات تفجير وخروجه بموجب العفو التشريعي الذي أقرّه رئيس الحكومة محمّد الغنوشي في 19 فيفري 2011 كما أكده محامي عشرات الإسلاميين وحاضنهم بصحيفته الحرّة، "الموقف" خلال سنوات الجمر المناضل الأستاذ أحمد نجيب الشابي في إحدى تصريحاته الأخيرة (انظر الرابط أسفل هذا):

https://www.facebook.com/…/a.360894787652…/490364598038640/…

لكنهم للأسف تنكروا له وآثروا ترشيح الدكتور المنصف المرزوقي عليه في سنة 2011 وعدم مساندته في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014 ! ومشاركته بقوّة في الحملة الانتخابية لحركة النهضة كما تثبته عديد الفيديوهات والمحامل الرقمية على غرار المقطع الوارد أسفل هذا والذي قال فيه حرفيا "إنّ حركة النهضة حركة ربانية تتقرّب لله عن طريق ممارسة السياسة".

https://www.facebook.com/politiquebelfalagui/videos/1911517275563626/

و في ذات الصدد لا أريد التذكير بانزعاج آلاف المشاهدين من تحاليل الأستاذ شكيب الدرويش وتعاليقه على بعض الأحداث السياسية والاجتماعية موضوع الساعة في تونس على غرار تعليقه على قرار إرجاع تمثال الزعيم بورقيبة إلى قلب تونس العاصمة يوم 26 ماي 2016 أنه "نقطة السوداء في تاريخ تونس" و قوله: "إنّ جزيرة قرقنة كانت مكانا معزولا يتمّ وضع عشيقات سلاطين تركيا داخلها ..."، وهو ما أغضب أهالي الجزيرة الذي نظموا وقفة احتجاجية ضد تصريحات الأستاذ شكيب الدرويش وبرنامج "تونس اليوم" بجزيرة قرقنة يوم 11 جوان 2018 كما يثبته الرابطين التاليين:

 

https://www.youtube.com/watch?v=ouy0XY1d-O4

https://www.youtube.com/watch?v=ZQyKwVDrMsc

 

4- إنّ التطرّق إلى تاريخ الزمن الراهن أو الآني والكتابة حوله ليس بالأمر الهيّن إن لم نقل مغامرة جريئة من طرف عديد الباحثين ممّن طرقوا أبوابه في العديد من دول العالم. ففي الولايات المتحدة أسس الكثير للتاريخ الفوري وفي مقدمتهم: "Hall Simon" و " Terry L. Nau " و "إيف داهن "Y. Dahan" ... الذين كتبوا عن حرب الفيتنام التي كانت حينئذ شبه ممنوعة، تلتها كتابات الصّحفي والبيوغرافي الأمريكي "آلان نيفانز "Allan Nevins" الذي كان مؤمنا بالتاريخ الشفوي إلى درجة تأسيسه إلى جانب "لوي ستار "Louis Starr" سنة 1948 لأرشيف التاريخ الشفوي بجامعة كولومبيا "The Colombia Oral History Office". ثمّ لـ" الجمعية الأمريكية للتاريخ الشفوي"American Oral History Association " و بعث "مجلّة التاريخ الشفوي" (Oral History Review) ... ونتيجة لذلك أصبح التاريخ الشفوي "موضة" في كل من أمريكا اللاتينية والمكسيك وكندا... ليفرض نفسه كاختصاص تاريخيّ مستقلّ بذاته.

وفي فرنسا يعدّ "جون فرنسوا سولي "Jean- François Soulet" رئيس مذهب التاريخ الفوريّ في فرنسا ومؤسّسه عام 1989 ومدير "مجموعة البحث في التاريخ الفوريّ (G.R.H.I)" بجامعة تولوز لوميراي حتى عام 2004 هذا الحقل بالقول: "(...) وبالنهاية فإنّنا نعني بنهاية التاريخ الفوريّ كامل القسم النهائي للتاريخ المعاصر، وهو القسم الذي يشتمل في الآن نفسه على الجزء المسمّى بالزمن الراهن وعلى السنوات الثلاثين الأخيرة وخصيصة هذا التاريخ الأساسيّة كون المؤرّخ وأهمّ الشهود (على تلك الحقبة) قد عاشوه وعايشوه (...) ". كما تحلّق العديد من تلامذة وزملاء "جون فرنسوا سولي " بجامعة باريس 10 ومن بينهم الأستاذ "روني ريمون "René Rémond" حول "فرنسوا بديريدا"François Béderida" لتأسيس معهد كامل يُعنى بهذا الاختصاص، ألا وهو معهد تاريخ الزمن الراهن "L’Institut du Temps Présent" منذ سنة 1978 (التابع للمركز الوطني للبحث العلمي "CNRS")، ليكتسح تعبير تاريخ الزّمن الراهن الفضاء الجامعي والإعلامي والثقافي عامة. وحاليا يقوم الزملاء المؤرخون والأساتذة في أقسام العلوم السياسية والحقوق وعلم الاجتماع والأنتربولوجيا... بكل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجكيا ... بتأطير طلبتهم في رسائل الماجستير والدكتوراه عن أحداث "سان ديني" والباتكلان" ونيس... وبرلين الدامية وانخراط الفرنسيّين والفرنسيات والأوروبيّين والأوروبيات في شبكات الجهاد والإرهاب الدولي... وغيرها من الملفات الحارقة انطلاقا من المتاحة في انتظار الإفراج عن غير المتاح من الوثائق والملفات !

أمّا في تونس فيعدّ كتاب الزميل والصديق فتحي ليسير " تاريخ الزمن الراهن عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر"، منشورات دار محمّد علي للنّشر، طبعة أولى، صفاقس – تونس 2012، 176 صفحة، مؤسسا لهذا الاختصاص. والذي بالمناسبة أصدر في سنة 2016 كتابا بعنوان: " دولة 'الهواة' سنتان من حكم الترويكا في تونس"، منشورات دار محمّد علي للنشر، الطبعة الأولى، تونس 2016، 500 صفحة وقدم له الأستاذ يوسف الصديق. ولا أظنك قد قرأت هذا الكتاب لتقف على أخطاء الحزب الذي تنتمي له أثناء وجوده في الحكم (ومن الترويكا بين 2011 و 2014) أو تقديم أستاذنا الجليل، الذي كفرته حركتكم وحلفائها السلفيّون وحاولوا الاعتداء عليه قبل إلقاءه لمحاضراته بقبلي وقليبية...، الأستاذ يوسف الصديق !

وقد دأب على خطى الأستاذ ليسير العديد من الزملاء نذكر في مقدمتهم الأستاذة: عبد الواحد المكني و خميّس العرفاوي وعليّة عميرة الصغيّر ومحمّد ضيف الله وخالد عبيد وعليّة العلاني... الخ. أمّا عبدكم المتواضع فقد تناولت في عديد المقلات والكتابات بعض المحطات من التاريخ الفوري "الساخن" بتونس و التي للأسف أزعجت ولا تزال تزعج بعض الأحزاب السياسية على غرار دراستي عن حركة النهضة بعنوان:

- "بعد أكثر من سنتين من تسلّم حركة النهضة للحكم في تونس: من الوصايا العشر ... إلى الأخطاء العشرة"، الصادرة بمجلة "البديل" عدد 4/ماي 2013، ص ص 156-234. ودراستي الثانية بعنوان:

- "المثقّفون التونسيون في ظل دكتاتورية بن علي (1987-2011): الجامعيون نموذجا"، الصادرة بأشغال الندوة الدولية "الثقافة والالتزام" التي نظمها المعهد التحضيري للدراسات الأدبية والعلوم الإنسانية بتونس خلال يومي 12 و 13 أفريل 2013، منشورات دار سحر للنشر (جمع ومتابعة الأستاذ خميّس العرفاوي) والتي بالمناسبة صُودر الكتاب المتضمّن لها بإذن من مديرة المعهد ولم يتمّ الإفراج عنها إلا لاحقا... وكتاب قيد الطبع في حوالي 375 صفحة بعنوان: "المسار الثوري والانتقال الديمقراطي من خلال 110 وثيقة تاريخية (2008-2011)" الذي سيصدر قريبا عن مخبر الدراسات المقارنة والمتناهجة "LERIC" - الذي أنشط به - التابع لجامعة صفاقس ودار علاء الدين بصفاقس. ورغم الصدى الكبير الذي أحدثته هاتين الدراستين في الوسطين السياسي والأكاديمي فلم يجرأ أحد من السياسيّين أو الزملاء المؤرخين و المختصين التشكيك في المعلومات الواردة بهما، لا بدافع الخوف، بل لصحّتة المعلومات الواردة بهما وكتابتهما استنادا لمعطيات ومنشورات... وشهادات حية موثوق بها - كما أسرّ لي بذلك العديد منهم.

https://transfernow.net/1290e9j3rs7d

 

لكل ما تقدم أفهم سيدي ارتباكَكُمْ ليلة البارحة أمام الأستاذة بسمة الخلفاوي وحديثها عن الكتاب لأنّ الأمر هذه المرّة يتعلّق بتنظيم سرّي تابع للحزب الحاكم الذي أثبت أكثر من طرف رسمي وشبه رسمي، تونسي وأجنبيّ (أمني وعسكري واستخباراتي...) وجوده ببلادنا منذ منتصف الثمانينات كما تشهد به الملفات القضائية لمحاكمات الإسلاميين في خريف 1987 وملفات التحقيق مع مجموعة "برّاكة الساحل" الذين أوقفوا وحوكموا في صائفة 1991 ! وبالمناسبة سبق لي محاورة البعض ممّن زُجّ بهم فيها ببرنامجي الإذاعي "شهادات حية" الذي يبثّ على أمواج إذاعة المنستير منذ يوم 06 أكتوبر 2013 إلى اليوم والذي يوثّق لمسيرة صانعي التاريخ المعاصر والزمن الراهن بتونس من نقابيّين وسياسيّين و رجال الدولة وفكر (من تونس وخارجها ومهما كان انتمائهم السياسي والأيديولوجي) بمن في ذلك الإسلاميّين على غرار الأستاذ بن عيسى الدمني (أستاذ فلسفة متقاعد أصيل مدينة رأس الجبل) وأحد المؤسّسين الخمسة لحركة الاتجاه الإسلامي في 06 جاون 1981 إلى جانب الشيخين راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو والحبيب المكني وزاهر محجوب. وقد بلغ عدد الشخصيات التي حاورتها إلى غاية اليوم 52 شخصية وطنية وأجنبية (من الجزائر وليبيا .... الخ).

سيدي المحامي والمحلّل السياسي الفاضل، أتريدني أن أنفي في تقديم الكتاب المذكور التظيم السري لحركة الاتجاه الاسلامي في ظل وجود ملف يحتوي على أكثر من 500 وثيقة وعشرات الحجج والوثائق الدامغة (داخل تونس وخارجها)، أرفق المؤلف بعضها في ملحق كتابه ... وأن أكون "شاهد زور" وأبارك مثل هذه التنظيمات المخترقة لأجهزة ومؤسسات الدولة الرسمية للإطاحة بنظام الحكم وإحلال نظام ا"لخلافة السادسة" من طرف الحركة التي تنتمي إليها؟ وما العيب لو طرق المؤرّخون والباحثون والصحفيّون باب تاريخ الزمن الراهن بوثائق وبراهين وشهادات شفوية كما هو الحال بالنسبة للأستاذ أحمد نظيف بالكتابة عن التنظيم السرّي للمجموعة الأمنية لحركة الاتجاه الإسلامي أو غيرها، أم أنكم تريدون أي أحمد نظيف وغير من الباحثين والمؤرخين أن يبقى أحمد نظيف - شأنه شأن الباحثين والمؤرخين في هذا الجنس التاريخي - مكتوفي الأيدي لمدة 50 أو 70 سنة وحتى 100 سنة - بدعوى إكراهات القانون المنظم للأرشيف - كما يذهب إليه بعض الزملاء سامحهم الله - في انتظار "الإفراج" عن الأرشيفات والوثائق والملفات...، التي للأسف قامت الحركة التي تنتمي لها بمصادرتها وإتلاف الكثير منها أو "حبسها" في غرف سرية مغلقة بوزارة الداخلية ومستودعات خاصة... خوفا من اطّلاع عامة التونسيّين عليها ؟

سيدي المحترم أمَلِي أن لا يتمّ الإفراج عن جميع الوثائق والأسرار والألغاز المتصلة باغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي وغيرهما وأسرار المجموعة الأمنية والتنظيم الخاص... الخ، بعد عقود لأنه وقتها ستكون أرملتا الشهيدين، بسمة الخلفاوي ومباركة عواينيّة وأبنائهما وبناتهما وفي مقدمتهم ابنتا رفيق الدراسة بالجامعة التونسية، الشهيد شكري بلعيد، نيروز وندى وأنا وأنت وغيرنا من الموجودين على الساحة اليوم في عداد المفقودين ويومها لا تنفع حركة النهضة ولا حركة النداء !

5- ما إن علم الصحفيّ والباحث الشاب أحمد نظيف من مكان عمله بفرنسا بنبأ تدخلك حول كتابه ومشاهدته للمقطع الخاص بالكتاب ومقدمه بالحلقة على موقع القناة، حتى أرسل لي صباح اليوم مراسلة قصيرة فيما يلي نصها:

08:29 Ahmed Nadhif

"تحياتي أستاذنا العزيز أتمنى أن تكون بصحة وخير للأسف شاهدت هذا المقطع وأنت أدرى مني بأنّ السيد درويش ليس إلا عضو في حركة النهضة من ناحيتي سأكتب توضيحا على صفحتي وقد شرفتني بتقديم الكتاب ولك خالص الود دائما".. و أتعهد بإصدار توضيح في الغرض.

وبذات المناسبة أفادني بقرب صدور كتاب ثانٍ من فرنسا عن التنظيم السرّي والمحاولة الانقلابية الثانية لحركة النهضة سنة 1991، ستقوم بتقديمه هذه المرة شخصية وطنية عليا. أتساءل عندها يا أستاذ شكيب كيف سيكون ردكم وتعامل حركتكم مع الكتاب الجديد ومضمونه؟

6- إنّ من يسيء إلى برنامج "تونس اليوم" وفريقه المحترم وقناة الحوار التونسي ليس كتاب "المجموعة الأمنية" لصاحبه أحمد نظيف ولا مقدمه، بل هم المغالون في الدفاع عن حركات سياسية تحاول تغييب الحقائق وطمسها والمتطفلين على التاريخ والمعرفة التارخية وبما أنك تنبمي لحركة النهضة وتربطك علاقات متينة بهم أدعوك إلى الاتصال بالسيّد محمّد شمّام والسيّد الفرجاني وعبد العزيز الدغسني... فسيخبرونك عن المجموعة الأمنية والتنظيم السري لحركة الاتجاه الاسلامي وحركة النهضة لاحقا بكامل الحيثيات والتفاصيل !

د. عادل بن سوسف

أستاذ تعليم عال

(أستاذ التاريخ المعاصر والزمن الراهن بجامعة سوسة)