حتى يظل دم حشاد صوتا شامخا ينتصر للحق..ونبراسا يضيء درب الشغالين جيلا بعد جيل

05 ديسمبر 2018  (21:30) صالون الصريح


كتب محمد المحسن
انقضت سبعة عقود على تأسيس “الاتحاد العام التونسي للشغل”،المنظمة العمالية الوحيدة،والتي أسسها فرحات حشاد عام 1946،قبل أن تغتاله “اليد الحمراء(منظمة إرهابية سرية فرنسية) في ضاحية رادس بالعاصمة تونس،في ديسمبر 1952
وقبل تأسيس الاتحاد،مرّت الحركة العمالية التونسية بتجربتين نقابيتين،الأولى هي”جامعة عموم العملة التونسية”التي أسسها محمد علي الحامي،عام 1924،وتصدى لها الاستعمار الفرنسي، أما التجربة الثانية فهي”جامعة عموم العملة التونسية الثانية” عام 1936،والتي قادها بلقاسم القناوي،وقد اندثرت إثر خلافات لرئيسها مع الحزب الحر الدستوري الجديد،بقيادة الحبيب بورقيبة.
ربما لم يدر بخلد حشاد (1914 – 1952)،عندما انفصل عن النقابات الفرنسية عام 1945،أنه سيؤسس واحدة من أعرق النقابات في العالم العربي وأكثرها تأثيرًا،حيث أسس الإتحاد العام للشغل مع نقابيين آخرين،أبرزهم الشيخ فاضل بن عاشور،المدرس بجامع الزيتونة،والتأم المؤتمر التأسيسي قبالة الجامع الأعظم (جامع الزيتونة الذي كان في ذلك الوقت بمثابة المعهد الثانويوالجامعة التي تدرس التلاميذ والطلبة وتمنحهم شهادات)بمقر المدرسة الخلدونية.
وإذن..؟
لم يكن قيام الإتحاد العام التونسي للشغل إذا،مجرّد تأسيس لمنظمة نقابية مقتصرة في أفقها وأهدافها على البعد الإجتماعي المطلبي الهادف إلى تحسين جزئي في الأوضاع المادية للعمّال التونسيين الذين كانوا يعانون شتى ضروب الإستغلال والتمييز مقارنة بنظرائهم الأوروبيين،وإنما كانت وفق رؤية زعمائه ومؤسسيه منظمة وطنية في هويتها ومبادئها وأهدافها التي تجاوزت البعد المطلبي الإجتماعي البحت،إلى بعد آخر أهم وأرحب هو البعد الوطني التحرري،إذ لا كرامة للعامل مهما تحسّن أجره مادام يرزح تحت نير الإستعمار وجبروته،كما أنه لا كرامة لعامل أو فرد من أفراد الشعب وهو يتعرّض يوميا إلى مسخ هويته وتشويهها لفائدة ثقافة المستعمر ولغته وفكره فكانت منابر الإتحاد العام التونسي للشغل مفتوحة للزعيم المؤسس فرحات حشاد ليربط بين الإستغلال والإستعمار،ويقرن بين التحرّر من كليهما في نفس الوقت،كما كانت هذه المنابر تتسع للشيخ العلامة محمد الفاضل بن عاشور للحديث عن موقف الإسلام من الإستغلال ودعوته للثورة على الظلم وليرسّخ من وراء ذلك عقيدة الإسلام في نفوس العمّال ويدعوهم للدفاع عن لغتهم وهويتهم ودينهم ووطنهم كما يدافعون عن خبزهم اليومي وأكثر.
لقد كان النجاح في تأسيس الإتحاد العام التونسي للشغل في ظل بطش الإستعمار في حد ذاته تحديا،كما أنّ نجاح الإتحاد في ضم العاملين بالساعد والفكر في هيكل واحد مؤشّرا هاما على وحدة مختلف فئات الشعب على قاعدة وحدة الهدف،لذلك كان تصدي الإستعمار لهذا التأسيس شرسا وعنيفا عنفا ظهرت ملامحه جليّة منذ أحداث 4و5 أوت 1947 والتي ذهب ضحيتها عشرات الضحايا في جبل الجلود وصفاقس،ليتواصل هذا العنف ويأخذ عدة أشكال تراوحت بين الترهيب والإعتقال والإغتيالات التي مثّل اغتيال الزعيم حشاد أبرزها وأبشعها.
ولم تكن هذه السياسة القمعية خاصة بالإتحاد ومناضليه،لكن هؤلاء كانوا من ضحاياها البارزين نظرا للدور الطلائعي الذي كانوا يلعبونه وطنيا واجتماعيا حاملين لهموم وطنهم مرددين مع زعيمهم حشاد :” هل يستحق الحياة من لا يدافع عن كرامته” مؤمنين أنّ “التضحية أساس النجاح”فالإتحاد العام التونسي للشغل قد أخذ من السنوات الأولى لتأسيسه دوره كاملا في معركة التحرير الوطني،بل انه كان حاضرا حتى في المعارك القومية للأمة العربية حيث كان حشاد من أوّل من فتح أبواب التطوّع إلى فلسطين بعد النكسة سنة 1948.
لم يجد الإستعمار من سبيل لإيقاف حالة المد الوطني والكفاحي الذي زرعه الإتحاد في صفوف أبنائه وكافة أبناء الشعب سوى إغتيال زعيمه ومؤسسه الشهيد فرحات حشاد فكانت عملية الإغتيال جريمة بشعة في حق الشعب في تونس وفي حق البلاد التي كانت تراهن على حشاد وأمثاله ليكونوا الطلائع التي تستنير بهم دربها نحو التحرّر والتقدّم لكن يد الإستعمار الآثمة امتدّت لهؤلاء مستعينة أحيانا بعملائها ممن اختاروا بيع الضمير والوطن لاهثين وراء مكاسب آنية زائلة وطموحات شخصية أنانية لن ترحم أصحابها يوم يقفون أمام محكمة التاريخ.
لقد كانت عملية اغتيال الشهيد فرحات حشاد واحدة من مئات الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها فرنسا الإستعمارية في تونس نفيا وتقتيلا وتشريدا وهي من صنف الجرائم التي لا تسقط بالتقادم مما يعني وجوب متابعتها وملاحقة المجرمين فيها وهو ما حصل فعلا مع عملية اغتيال الشهيد فرحات حشاد حيث اعترف أحد المنتمين إلى عصابة اليد الحمراء في شريط وثائقي أنجزته قناة الجزيرة بمسؤولية اليد الحمراء عن عملية الإغتيال وأنّ اليد الحمراء هي إحدى أذرع المخابرات الفرنسية مما يعني المسؤولية المباشرة لهذه الدولة عن الجريمة وعن غيرها من جرائم اغتيال الزعماء وقتل أبناء الشعب.
إنّ الإتحاد العام التونسي للشغل الذي كان لاعبا وحيدا في ميدان العمل النقابي يجد نفسه اليوم محل منافسة مع منظمتين نقابيتين أخرتين رغم أنّ الكفة بقيت مائلة بشكل واضح لصالح الإتحاد،إلا أنّ هذه المنظمة وبحكم مسؤوليتها التاريخية وتمثيليتها لشريحة واسعة من أبناء الشعب مدعوّة اليوم إلى لعب دور تعديلي أكثر نجاعة وحيوية في تحقيق أهداف الثورة ومنع كل أشكال الإلتفاف عليها وخاصة الأهداف الإجتماعية منها مثل تمكين المواطن من حاجاته الأساسية بما يتلاءم مع قدراته وإمكانياته بالسعي لتحسين قدرته الشرائية ومراجعة منوال التنمية وتطوير التشريعات الشغلية والإجتماعية عامة بما يحفظ الحقوق المكتسبة للعمال والفئات الضعيفة،وهي مطالب لا يمكن أن تكون مفصولة عن المطالب السياسية في الديمقراطية وصيانة الحقوق الأساسية والمدنية للمواطن..
ولكن السؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:هل يواصل الإتحاد توجيه الحياة السياسية في تونس مثلما فعل منذ هروب بن علي حتى اليوم،أم أن التحالفات والائتلافات القديمة التي كانت “تفرض” هذا التوجه تصدعت أو هي بصدد التصدّع،ما سيقلص من ذلك الدور لفائدة دور اجتماعي تفرضه حدة الأزمة الاجتماعية الخانقة،التي بدأت نتائجها تلوح في الأفق..؟
محمد المحسن