نوفل سلامة يكتب لكم / على خلفية فرض تعريب المعلقات الإشهارية..علينا أن نعترف بأنه لدينا مشكلة هوية مع اللغة العربية

12 جانفي 2019  (11:03) صالون الصريح

كتب نوفل سلامة  

كان من المفروض أن يكون الخبر الذي تناقلته مختلف وسائل الإعلام وجاء في نشرات الأخبار لمختلف الإذاعات والقنوات الفضائية والمتعلق بالقرار الذي اتخذه المجلس البلدي لبلدية مدينة تونس العاصمة والقاضي بإلزام كافة أصحاب المحلات التجارية بكتابة العلامات الاشهارية باللغة العربية من دون إلغاء لاستعمال اللغات الأجنبية  الأخرى مع مراعاة معنى الترجمة، أن يكون خبرا عاديا ويمر مر الكرام في بلد يتكلم أهله اللغة العربية . كما كان من المفروض كذلك أن لا يحدث هذا القرار البلدي والذي يفرض على التجار استعمال اللغة العربية في المعلقات التي يستعملونها الكثير من الضجيج من منطلق كون الشعب التونسي ينتمي إلى الأمة العربية وأن لغته الرسمية هي اللغة العربية وهي لغة الادارة والمراسلات الحكومية ولغة القضاء . كما كان من المفروض أن يكون قرار استعمال اللغة العربية في كل معلقاتنا الاشهارية التي نراها في شوارعنا وأنهجنا ومحلاتنا موضوعا عاديا ومسألة لا تثير اعتراضا أو انتقادا ولا تستدعي الانتباه ولكن هذه البديهيات والمسلمات والتي خلنا أنها أمر طبيعيا تلقى اليوم من بني جلدتنا ومن يعيش بين ظهرانينا من يعترض عليها وينتقد هذا التمشي الذي اتخذته بلدية تونس بإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية التي عرفت منذ سنوات التهميش والتراجع.

إن المقلق فيما شاهدناه من مواقف لبعض التونسيين إزاء قرار كتابة العلامات والمعلقات الاشهارية  باللغة العربية هو أن هؤلاء الساخطين لم يروا من مداولات المجلس البلدي التي تضمنت الكثير من المواضيع والقضايا الهامة غير موضوع تذكير التجار بضرورة كتابة لافتاتهم الاشهارية باللغة العربية وهي مسألة ليست بالجديدة وإنما تعود إلى سنوات خلت وينظمها قانون صدر في زمن بن علي وتحديدا الفصل السابع من القانون عدد 40 المؤرخ في 2 جوان 1988 المتعلق بطرق البيع والاشهار التجاري والذي يوجب عند استعمال بيانات تجارية أن تكتب باللغة العربية وتجاهلوا أو تعمدوا عدم التطرق إلى القرارات الهامة الأخرى التي تم اتخاذها على غرار كراء سوق السيارات بموجب بتة أجربت بمبلغ مالي مهم قدره ملياران بعد أن كان معلوم كرائه لا يتجاوز 740 مليون وكراء المقابر بـ 170 مليون وهي مسألة ستعود بالنفع على صيانة هذه الأماكن التي عرفت في السنوات الأخيرة هي الأخرى التهميش وقلة العناية مع وضع استراتيجية واضحة لملف النظافة وتجميل المدينة ومشروع كبير لمتحف بلدية تونس وغير ذلك من القضايا الحارقة والهامة أهم بكثير من التوقف عند استعمال اللغة العربية في العلامات الاشهارية التجارية.

إن المفيد الذي نخرج به بعد هذه الضجة التي أحدثها قرار فرض كتابة المعلقات الاشهارية باللغة العربية ومن اعتراض بعض التونسيين على هذا القرار هو القول بأنه علينا ان نعترف بكل صراحة بأن لدينا اليوم مشكل هوية في بلادنا وبأننا لسنا على نفس الموقف من عناصر هويتنا ومن رؤيتنا للانتماء العربي وأن هذا الاعتراض من استعمال العربية يخفي وراءه أو يكشف عن موقف عدائي من اللغة العربية وموقف رافض لهوية هذه البلاد التي لا يراها البعض منا عربية اللسان والثقافة والحضارة .

اليوم وأمام هذه المواقف التي برزت بكل وضوح من لغة الضاد علينا أن تصارح أنفسنا ونعترف بأن لدينا مشكلة عميقة في هويتنا ومشكلة أخرى في الاتفاق حول العناصر التي تكون هذه الهوية والتي لا يراها البعض عربية اللغة إسلامية الديانة وإنما لهويتنا عنده محددات  أخرى غير اللسان العربي هناك اليوم من بني جلدتنا من يدافع عن لغة المستعمر ويقدم الفرنسية على لغة البلاد وله عقدة من استعمال العربية التي لا يعتبرها لغة علم وحضارة ولا يتحمس للتحدث بها وتدريسها بل هناك من يعمل على تهميشها نحو التخلي عنها وبهذا نفهم اليوم لماذا تحارب العربية في اذاعاتنا وقنواتنا الفضائية من خلال هجر التحدث بها وتعمد استعمال لغة أخرى هي خليط من العامية والدارجة والفرنسية في الوقت الذي تمثل فيه اللغة العربية عنوان سيادة وعزة وانتماء واستقلال وفي الوقت الذي ينتصر فيه دستور الجمهورية الثانية في الفصل 39 منه إلى اللغة العربية ويدعو الى تأصيل الناشئة في الهوية العربية الاسلامية ويطالب بترسيخ اللغة العربية وبزيد دعمها وتعميم استخدامها .

الخطير فيما تعرضت له شيخة مدينة تونس السيدة سعاد عبد الرحيم من انتقادات عنيفة من وراء مصادقة المجلس البلدي على مقترح تقدمت به كتلة التيار الديمقراطي بفرض استعمال اللغة العربية في المحلات التجارية يكشف أننا شعب فقد التجانس الذي كان عليه وأن مواضيع كثيرة كانت محل اجماع في السابق أضحت اليوم محل خلاف وهي تفرقنا وتشق صف وحدتنا وبأننا لم نكن نتوقع يوما أننا سوف نختلف على استعمال اللغة العربية ونختلف على أنها من أسس هويتنا التي تميزنا عن غيرنا فالقول بأننا شعب لغته العربية ودينه الإسلام لم يعد من المسلمات وإنما الحقيقة اليوم هي أننا منقسمون ومختلفون حول هذه الهوية وحول عناصرها ومحدداتها وما حصل بخصوص قرار المجلس البلدي لمدينة تونس قد كشف على أن هناك من لا يقبل أن نكون شعبا عربي اللسان وإسلامي الديانة وإنما تونس في نظره هي بلد هويته خليط من ثقافات عديدة مرت فوق أرضه طيلة 3500 سنة وبالتالي عنصر اللغة العربية في نظره غير محدد لضبط الهوية.

إنها معركة أخرى من معارك كثيرة نخوضها في هذه البلاد ، معركة الهوية المائعة الهلامية الزئبقية التي يريدون أن يحلوها محل هويتنا الواضحة القائمة على عنصريها الثابتين اللغة العربية والدين الإسلام.