خير الدين التونسي.. الوزير الذي أنقذ تونس من الإفلاس

28 جانفي 2019  (14:58) تقارير خاصة

كتب د فتحي الشوك 

يعتبر الإصلاحي خير الدّين التّونسي أحد أهمّ أعمدة الإصلاح في تونس وفي العالم العربي والإسلامي خلال القرن التّاسع عشر وقد اتّخذه البعض قدوة ومثالا ومرجعية مسندين إليه لقب "أبو النّهضة التوّنسية"، فهل كان تبنّي من جاء بعده من حداثيين لنهجه حقيقيا وصادقا أم هو مجرّد مطيّة وتقيّة؟  

سيرة ذاتية استثنائيّة

ولد خير الدّين سنة 1820 في بلاد الشركس، جنوب شرقي جبال القوقاز، اختطف صغيرا ليباع في سوق الرّقيق في اسطنبول حيث اشتراه تحسين بك إلى حين بلوغه سنّ السّابعة عشر ليشتريه مبعوث المشير أحمد الأوّل الّذي جلبه معه إلى تونس ليعزّز صفوف المماليك الموجودين في سرايا المشير. كان عصاميا، انكبّ بمفرده على الدّراسة فأتقن التركية والعربية والفرنسية وارتقى بسرعة في سلّم الرّتب العسكرية ليصبح أمير الأمراء (جنرال) سنة 1852.   

اصطحبه المشير أحمد باي في رحلته إلى باريس سنة 1846 ليعود إليها مرّة أخرى ويقضي هناك ثلاثة سنوات (من 1853 إلى 1856) لمتابعة القضيّة المرفوعة لدى المحاكم الفرنسية ضدّ ابن عيّاد، وفي الوقت نفسه استفاد من هذه الإقامة لمزيد التعرّف على أسس الحضارة الغربية الحديثة من أنظمة سياسية وإدارة ومؤسسّات دستورية.  

ساهم في إصدار قانون عهد الأمان وتولّى رئاسة المجلس الكبير الّذي أقرّه محمّد الصّادق باي والّذي اخرج أوّل دستور في تونس وفي العالم العربي والإسلامي سنة 1861، الدستور الّذي تضمّن منع الرقّ في بادرة سبقت الولايات المتّحدة الأمريكية وبعض البلدان الأوروبية. تصادم مع الوزير مصطفى خزندار فاستقال ليعتني بشؤونه الخاصّة وليهتمّ بإثراء زاده الفكري حيث كانت له نقاشات عميقة مع رواد الإصلاح حينها مثل الجنرالين حسين ورستم والزّيتونيين أحمد ابن أبي ضياف ومحمّد بيرم الخامس وسالم بوحاجب. 

أصدر كتابه الشهير "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" سنة 1867 والّذي قال فيه المستشرق الألماني الرحّالة "هاينريش فرن مالتزن" أنّه أهمّ ما ألّف في الشرق في عصرنا هذا، وهو عبارة عن برنامج إصلاحي متكامل للنّهوض بالعالم العربي والإسلامي وتهيئته لدخول الحداثة دون التخلّي عن مقوّماته الذّاتية وهويّته وعقيدته وقد اتّخذ مرجعا وترجم إلى اللغات التركية والفرنسية والفارسية   

عاد إلى السياسة ليتولّى خطّة الوزارة الكبرى من سنة 1873 إلى سنة 1877 حيث كانت الإيالة التونسية على قاب قوسين أو أدنى من الانهيار لكثرة الدّيون المتخلّدة نتيجة للفساد وسوء الإدارة والنّقص في الموارد البشرية إلى جانب مخلّفات ثورة علي بن غداهم سنة 1864. 

بادر بإعادة تنظيم الإدارة وإصدار حزمة من القوانين في إطار مشروع إصلاحي واعد تضمّن: قانون لتنظيم الأوقاف، إصلاح التعليم الزيتوني وإنشاء مدرسة عصرية (الصّادقية)، قانون لتنظيم القطاع الفلاحي، بعث مؤسّسة للأرشيف لحفظ وثائق الدّولة، قانون لعدول المنفّذين لتنظيم الملكيّة، كما عمل على إرساء الأمن والاستقرار واهتمّ بالتّهيئة العمرانية للعاصمة واضعا مخطّطا ابتدأ فيه لتعتمده فرنسا فيما بعد. وتمّ عزله من طرف محمّد الصّادق باي سنة 1877 بعد الدّسائس الّتي كانت تحاك ضدّه من قبل الوزيرين مصطفى خزندار ومصطفى إسماعيل. 

ذاع صيت خير الدّين ممّا جعل السّلطان عبد الحميد الثّاني يستقدمه ليعيّنه صدرا أعظما محاولا الاستفادة من خبرته وسط المشكلات العويصة الّتي كانت تتخبّط فيها الخلافة العثمانية بعد حربها مع روسيا، وخلال مدّة تكليفه القصيرة (بعض الأشهر سنة 1878) تمكّن من حلّ الكثير من النّزاعات الحدودية مع روسيا وغيرها وكانت له إسهامات في عديد الملفّات الأخرى. توفّي سنة 1890 ليدفن بإسطنبول وليقع نقل رفاته إلى تونس سنة 1968 بناء على طلب من الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة. 

 إصلاح خير الدّين والحداثيين: امتداد أم قطيعة؟

يدّعي الحداثيون المزيّفون، منظّروا وبناة الدّولة "الحديثة" بأنّهم امتداد للمسار الإصلاحي التّحديثي الّذي ابتدأه ووضع أسس لبناته خير الدّين، فكان أن وقع تذكّره في بعض المناسبات وطبعت صورته على ورقة نقدية وبعض الطّوابع البريدية، دون نسيان المطالبة برفاته من طرف بورقيبة سنة 1968 لدفنه بتونس ويبدو أنّ تلك المطالبة لم تكن رغبة صادقة في التّصالح مع التاريخ بل مجرّد شطحة مزاجية للزّعيم تكشّفت بعد أن انكشف أنّ الصندوق الحاوي للرّفات أهمل في ركن في إحدى غرف الأرشيف الوطني لتردمه الأغبرة والأوساخ ولم يتمّ دفنه إلا بعد أن أثار المؤرّخ الدكتور التونسي عبد الجليل التّميمي الموضوع، دفن سرّا ولم نعلم مكان قبره إلاّ مؤخّرا (مقبرة الجلّاز بالعاصمة) ذاك ما أكّده المؤرّخ الكبير في حصّة تلفزيونية منذ أشهر. 

يقول الدّكتور المؤرّخ التونسي بلقاسم الحنّاشي في هذا الصّدد: "يعتبر خير الدّين التونسي مدرسة إصلاحية قائمة الذّات، وهو كتجربة وقع إجهاضها ومن يتّخذه زيفا كمرجعية من مدّعي الحداثة كان لمجرّد الاستهلاك أو كلقيط منبثّ يبحث له عن نسب وأصل، فإصلاح خيرالدّين كان لما يعتقد أنّه خير للدّين أمّا من يزعمون أنّهم ورثته من حداثيين مزيّفين فهم لا يرون أيّ خير في الدّين بل يعتبرونه عائقا وجب تحييده وإزالته لإسقاط "مشروع" حداثة جاهز ومزيّف في تصادم مع السّيرورة التاريخية". 

و بالعودة الى أهمّ الإصلاحات الّتي شرع فيها خير الدّين نرى انّه حاول إصلاح التعليم الزيتوني وتحديث مناهجه في حين سعى الآخرون إلى تهميشه وتدميره، وهو أيضا من قام بإصلاح نظام الأوقاف في حين أنّ من جاؤوا بعده ألغوه بالكامل وتقاسموه كغنيمة بينهم حارمين آلاف المنتفعين به من المستضعفين وهو ما جعل من أعلن ذلك سنة 1956 (السّيد مصطفى الفيلالي الّذي وافته المنيّة منذ أيّام، رحمه الله) يعتذر مؤخّرا للشعب التونسي ويطلب المغفرة من الله ودموعه تنهمر، اعتذار مرّ مرور الكرام في ظلّ غياب أيّة نيّة للمراجعة أو نقد الذّات لتجربة فاشلة لم تنتج سوى الفشل. 

حاول البعض تشويه خير الدّين باتّهامه بأنّه سرّع في استقدام المستعمر الأجنبي عبر بيعه لأراض تونسية لإيطاليين سنة 1871 كما لام عليه آخرون بأنّه عثماني الهوى مشكّكين في انتمائه الوطني لكن يبدو أن العقدة الكبرى وسبب الحساسية المرضيّة تجاهه تكمن في أنّه إسلامي الهوى والمرجع إذ تبنّى التصوّر الإسلامي وسعى إلى الإصلاح من خلاله معتبرا أنّ السّبب الرّئيس للانحطاط يكمن في الاستبداد الغريب عن الإسلام في أصوله وأنّ مفاتيح النّهضة تتمثّل في التجديد والاجتهاد بما لا يخالف ثوابت الشريعة، وفي الحرّية والعدل كدعامتين أصيلتين في الإسلام. 

هكذا كان إذا خير الدّين الّذي يعتبره المفكّر المؤرّخ التونسي هشام جعيط أحد أعمدة الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، داعية للإصلاح الشّامل الّذي لن يتحقّق إلاّ بإرساء العدل ونشر الوعي واحترام الإنسان، واضعا إصبعه على الجرح ومشخّصا بدقّة ما نعيشه من انحطاط والّذي مردّه بالأساس الانفراد والاستبداد وغياب المؤسّسات المراقبة لمن يحكم. كم نحتاج لخير الدّين لخيري الدّنيا والدّين.