أحمد ذياب يكتب لكم: عين على تونس...

10 فيفري 2019  (20:23) صالون الصريح

 

كتب: دكتور أحمد ذياب
في التسعينات من القرن الماضي وبعد أن بدا بعض النور يطلّ على علاقات وحوارات فلسطينية إسرائيلية جديدة، وجّهت إسرائيل بعض أعوانها من الموصاد إلى مدينة صفاقس وعلى وجه التدقيق إلى طريق منزل شاكر لإنهاء مهمة جاسوس تونسي ولنقل من عائلة الغربوزي، (ولتعذرني عائلة الغربوزي) حتى لا أذكر الاسم الحقيقي الوارد في هذه الرواية، ومدّه بمستحقّاته.
وحاول الجاسوس التونسي أن يسأل عن مرشد الغربوزي... وقد يكون نسي عنوانه على وجه التدقيق.. وحاول أن يسترشد ويسأل.. وأوقف راكبا هيكل دراجة يتمايل مع هيكله البادي من لباسه الفضفاض. دفع الراكب برجله إلى العجلة الأمامية كفرامل لإيقاف راحلته وقال : تفضل آش حاجتك؟
ــ أسال هل بالصدفة تعرف الغربوزي؟
ــ الطريق هذا كله غربوزيات... وأنا نفسي غربوزي.. على من تسأل بالضبط؟
ــ مرشد.... إن سمحت. مرشد الغربوزي..
ـــ مرشد ... مرشد.. مرشد... ؟؟ عندنا مرشد خضار، ومرشد حلاق، وثمةّ واحد زادة مرشد جاسوس يخدم مع إسرائيل... على من منهم تبحث؟
هذا الزمن ولى واندثر..
اليوم تصدّر شركة هواوي الصينية (Huawei) أجهزة هاتف ومكونات تلتقط بها عبر نظام الجيل الخامس من الاتصالات 5G، كلّ ما ترغب من المعلومات في عقر ديار وإدارات أمريكا وأوروبا. ولأنّ تقنيتها سابقة كل المبتكرات السكاندينافية واليابانية بثلاث سنوات على الأقل فإن هذا الشرّ الذي لا بدّ منه سوف يلاحق عالمنا للعشرية المقبلة. وسوف تكون عين العالم المراقبة لكلّ تحركاتنا ببكين وبأمريكا وأوروبا وخاصة فرنسا التي تريد بنا خيرا فهي الحامية لكلّ ما يحصل بشمال أفريقيا، تراقب كلّ شيء لدينا بكلّ الوسائل البدائية وحتى التقنيات التي تقتنيها من الصين. وتذكرون أن المخابرات الألمانية كانت علمت بتفاصيل ما حصل بالغريبة في جزيرة جربة قبلنا ربما....
وقد يخطر ببال البعض منكم أن عنوان المقال هذا يوحي بالشكر لفريق التلفزة وبخاصة حمزة البلومي الذي فضح بحق أمرا مسكوتا عنه ولا أتصوّره البتة مجهولا من لدن من بيده أمن تونس وسياساتها العامة.
لن أتحدث عن هذا الموضوع، فأغلب التونسيين قد فهموا أن وجود هذا الأنموذج من الأكاديميات يفرّخ علماء في صنع القنابل وفي الأحزمة الناسفة وفي أقحاف (ج: قحف أي الجمجمة) مفرغة من كلّ مادة عصبية، بل وهي فقط مفخّخة بما يفجّر تونس ويفجّر شمال أفريقيا ولم لا أوربا... فهم يحرقون مراحل التعلّم وتراهم برسائل الماجستير والدكتوراه في الإرهاب ولم يتجاوزوا العشرين من العمر.
مئات من هذه المدارس، بل قد يتجاوز عددها الألف.. فقط نحن عاجزون عن تعدادها طالما سهر على إدارتها من بيده المال المنهوب والمال المتسرّب القذر ممن يريد بنا خيرا بالخليج العربي... والحال أننا نصدّر إلى الخليج أعزّ ما تملك تونس من فلذات الكبد في خيرة أساتذتها وأطبائها ورجال الاقتصاد وحتى القضاة...
هذه هي حالنا.
إذا ما أضفنا لهذا المشهد عيونا ساهرة أخرى تترصّدك بالفيسبوك إن أنت عبّرت عن موقف وطني، جامع للشمل، تراه يدفعك إلى التذكير بأن أصل هذا الشعب بشمال أفريقيا هم أمازيغ. نعم أمازيغ.. وأن علينا بالعودة إلى استعمال اللغة الأمازيغية... لأن العرب جاؤوا كمحتلين. يخاطبك طبعا ويعلّق باللغة الفرنسية... لا بالعربية ولا بالأمازيغية. مرّة أخرى وجدتني مضطرا إلى الإجابة عن هذا الموضوع، وقد تكلمت فيه كثيرا حتى الملل.
أولا: من يطالب باستعمال اللغة الأمازيغية يبدو من أوّل وهلة على حق... فمن حق الأقلية وهي لا تتجاوز الأربعة بالمائة بتونس أن تتكلم بالأمازيغية.. زد على أنني شخصيا أتمنى تعلّم هذه اللغة في أقرب الآجال... فأنا حريص على فهم ابن البلد ولعلّ ذلك يضيف إليّ ما يضيف.
ثانيا: لا أفهم لم المُطالب باللغة الأمازيغية يخاطبنا بلغة فرنسية؟ هو دائما يلحّ على الحديث إلينا في اللغة الفرنسية ولا يحدثنا بلغة عربية لها ثمانية عشر قرنا من الوجود على الساحة الكونية.
ثالثا: لنفترض أن العرب الحفاة العراة جاؤوا لهذه الأرض غازين لشمال أفريقيا قادمين من جزيرة العرب ومن مصر وليبيا، وهو أمر صحيح تاريخيا. لكن الأمر ينطبق كذلك على الأمازيغ، فقد قدموا بالبرنس والقشابية من المشرق وليبيا... جاؤوا وغزوا كذلك هذه البلاد... بما فيها من سكان أصليين من الكابسيين.. فالحضارة الكابسية امتدت من خمسة عشر ألف سنة إلى ما يقارب الألفي سنة قبل المسيح... وفي المحصّلة، الأمازيغ هم كذلك غزاة.. وإذا ارتسمت لدينا ضرورة العودة إلى أصل اللغة لأصل سكان هذا البلد فعلينا البحث والتنقيب عن اللغة الكابسية التي تكلم بها سكان شمال أفريقيا الأصليين قبل الأمازيغ.
أمر في غاية التعقيد...
كلّ من حلّ بهذه الأرض أضاف طبقة من حضارة ومسحة من ثقافة.
البونيون القادمون من صور حطوا رحالهم بقرطاج.
والأمازيغ كما العرب جاؤوا غازين أو فاتحين من المشرق.
ويتضح أن هذه المكوّنات قد كوّنت الإنسان التونسي والمغاربي بكلّ ألوانه.
والذين حلوا من شمال المتوسط جاؤوا كذلك كغزاة: الرومان والفيكينغ، والإسبان والإيطاليون والمالطيون والعثمانيون والفرنسيون...
حلوا كلّهم بسلاح الفكر الباني والمعمّر والمستعمر والسلاح المعدني القاهر حتى أن الأنديجان كانوا في نظر بعضهم متخلفين ذهنيا.. وهو ما سمح لهم بالقيام علينا بتجارب نالوا بها جوائز نوبل.
الأمر الآخر.... شخصيا أحبّ اللغة الفرنسية، فقد تغذّيت من أشعارها كثيرا... ولم أتصوّر البتّة أن بعض الفرنسيين يدفعون بي إلى منع استعمال لغتي العربية الثرية والدفاع عنها.
فهل يمثلون عينا ساهرة على مصالح تونس الاستراتيجية أم عينا فرنسية في عقر دارنا وأعالي أسوار المدينة لقطع الطريق أمام محاولاتنا لاستعادة استقلالنا بعد أن قيّده بورقيبة بتفاصيل تغادر الدفاتر السرية قطرة قطرة. فهناك إيطاليا التي طلبت من فرنسا بالقطع مع سياساتها الأفريقية الاستعمارية وهناك روسيا... وهناك الصين!!
ويتضح أن هواوي أصبحت تتجسس على العالم... وربّ ضارة تنفعنا نحن... فالصين أصبحت تنادي بوضوح أن تكفّ فرنسا عن وضع العين الاستعمارية الناهبة لخمسة وسبعين بالمائة من ثروات تونس التحت أرضية... ولنعلم أن لتونس رجال أصبحوا يحذقون فنّ التعاون مع فرنسا لصالح الشعبين... فقد زوّدنا فرنسا أخيرا بخير أطبائنا ومهندسينا رغم أنهم لا يتقاضون نفس أجر الفرنسيين في نفس الخدمات المقدّمة..
فرنسا التي نحبّها هي فرنسا التي تدرك أننا تدرك النوايا ونقرأ التاريخ والمستقبل ونعرف ما يصلح بالبلد ومن يحاول تخريبه أكان سياسيا أو إرهابيا بفكره وحزامه الناسف أو جاسوسا بعدسة الكاميرا التي يظهرها للعيان، وخاصة تلك التي يخفيها إن تحدث إليك أو لم يتحدّث.
فرنسا التي نحبّها هي ذاك الفكر التقدّمي للثورة الفرنسية فما بعدها، واللغة التي نستقي من نغماتها إضافة فكرية بعد أن نكون قد كسبنا من لغتنا العربية الفصحى وأخذنا بها خير زاد علمي.
عين أخرى أضحت ضرورية هي عين ذاك المواطن التونسي المحب لوطنه، وعين المؤسسات والصحافة والنقابات وعين اليسار التونسي وعير الوطنيين الدساترة أو غير الدساترة..
سوف يقوى حزام الأمان لتونس كلّما مسّها وحاول الإضرار بها أولئك الذين في قلبهم مرض... يحلمون بالخلافة.. أو يحلمون باستعمار تونس من جديد.