القديدي يكتب لكم : الجمرة الخبيثة تحت الرماد!

15 ماي 2019  (13:19) صالون الصريح

 

 

 

 

 

 

 

كتب أحمد القديدي

كل من يتابع هذه الأيام أخبار العرب لابد أن تصيبه لعنة اليأس من هذه الأمة، حين يسمع رئيس الولايات المتحدة يصرخ علنيا في وجه ملك السعودية King you have to payفيدعو الله إن كان من المؤمنين بأن يهب للأمة من لدنه رشدا او على الأقل كبرياء، وهي ضائعة جريحة بين يمن ينزف وسوريا تدمي وليبيا تنتحر وعراق مهدد وفلسطين مقاومة وليس لها من نصير من العسف الصهيوني سوى شعوب عربية مغلوبة على أمرها تقرأ صحيفة اسمها (مكة) تعلن أن الشهيد أحمد ياسين إرهابي و أن حماس منظمة إرهابية ! نحن يا سادة مدعوون لنصرة صفقة القرن التي انخرط فيها مرشحون للرئاسة التونسية من أجل حفنة دولارات دحلانية و يستعد لخدمتها و خدمة الصهيونية مثل عسكر في مصر و ليبيا و تعلن (الأونروا) أنها تحتاج الى 600 مليون دولار لتوفير الغذاء و الدواء لمليون فلسطيني مشرد تحت الخيام منذ 72 عاما أبا عن جد ! هذه حال العرب اليوم و تقف دولة قطر لمساعدة غزة المقاومة كما تقوم تركيا بواجب احتضان 2 مليون سوري و بالطبع فقطر و تركيا تستحقان شتما يوميا على قنوات ابو ظبي و مصر و تونس ! يا للمهازل ! الأخطر القادم هو التمهيد لحرب إسرائيلية أمريكية تشن على إيران بأيدي و تمويل السعودية و الامارات ! لكن هؤلاء نسوا أن لعبة الشطرنج هي فارسية نشأت في عهد كسرى أنو شروان منذ 5000 سنة! و أن هذه اللعبة ترمز الى الحرب كما عرفها الفرس وهي الدفاع و الهجوم و التضحية بالبيدق من أجل الإطاحة بالملك ! إن العربي كان يبصر في سلام دول الخليج بصيصا من أمل ويتمنى أن يشمل سلامها وأمانها كل محيطها المشرقي حتى قرر ناتنياهو و كوشنير حصار قطر لمعاقبتها على مواقف الشهامة و النخوة يوم 5 جوان 2017 منذ عامين.وهنا وهناك من أرض العرب نرى أيادي خبيثة تؤجج الجمرة الخبيثةمن تحت رمادها بتحريك فتنة طائفية بغيضة وفتنة دينية مدمرة وفتنة قبلية مخربة وفتنة حزبية مفرقة وفي تونس فتنة طبقية وأخرى جهوية بين مناطق تونسية وحدتها كل الوشائج والروابط منذ الفتح الإسلامي وجاء من ينفخ في رمادها الهادئ بحثا عن الجمرة الخبيثة في ظروف الانتخابات فيهب صانع الرأي العام الزرقوني يحول وجهة الناخبين بالتوقعات المدلسة من أجل استمرار الدولة العميقة المناهضة للثورة و لإرادة الشعب.. وعلى هذه اللوحة الحزينة وفي هذا المشهد المشحون بالمخاطر تزدهر صناعة عربية خالصة ولا تعتقدوا أنها صناعة الطائرات والسيارات والحواسيب والأدوية والتجهيزات الإلكترونية، فهذه تركناها للأوروبيين والأمريكان واليابانيين والكوريين وللإنصاف نضيف لهم الأتراك بعد استعادة رجب طيب أردوغان للهوية التركية وهذه الصناعات لم يحن لدى العرب أوانها بعد، لأن ثقافة الإبداع تتطلب مهارات الحرية وحفظ كرامة بني آدم وتكريس قيم العلم عوض أدوات الظلم. لكننا برعنا في صناعة الفتن ولتأكيد مقولة العلامة التونسي عبد الرحمن بن خلدون بأن العدل أساس الملك وأن الظلم مؤذن بزوال العمران، فإني أضرب مثلا واحدا فقط  ليقتنعوا مثلما اقتنعت أنا منذ ثلث قرن بأن تقدم شعب من الشعوب لن يتحقق إلا متى تمتع ذلك الشعب بحقوقه المدنية وحرياته السياسية ومتى حصن الدستور عرضه وأرضه وسلامة بدنه ومكنه من المساهمة في اختيار أولي أمره ثم اعتنق مبدأ الحداثة الأصيلة لا الحداثة الدخيلة، أي بكل بساطة تحول من كائن مستعبد إلى إنسان حر. والمثل الذي يحضرني هو المقارنة بين ماليزيا و كوريا الجنوبية من جهة وبين تونس من جهة ثانية، ففي سنة 1973صنف برنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUDهذه الدول الثلاثة على نفس مستوى النمو من حيث معدل الدخل الفردي السنوي ومعدل الإنتاج الوطني الخام ومن حيث الطاقات البشرية والموارد الطبيعية ومؤشرات التنمية الاقتصادية وآفاق التنمية المستقبلية..نعم كنا نحن في تونس منذ جيل واحد على نفس خط الانطلاق، جنبا إلى جنب مع ماليزيا و كوريا الجنوبية تماما، كالرياضيين المتسابقين في مباراة العدو الأولمبي على نفس خط انطلاق السباق بذات الحظوظ وأمامنا نفس المسافة لتحقيق الفوز. والنتيجة في ظرف جيل واحد، تعرفونها جميعا، فنحن في سنة 2019 كالتالي: ماليزيا 27 مليونا من البشر يعني ديمغرافيا أكثر من ضعف سكان تونس، لكن مصنفة في المرتبة 21 في العالم من حيث النمو بنسبة 3% فقراء ونسبة 3% بطالة ومعدل نمو سنوي 7%.وبالمقابل أصبح وضع تونس كالتالي: بلادي مصنفة في المرتبة 87 في العالم سنة 2010 وتقهقرت حسب إحصاءات أممية إلى المرتبة 93 سنة 2018 بنسبة المواطنين تحت خط الفقر حسب المعايير الدولية تقدر بـ23% سنة 2013 عوض 15% سنة 2009 ومعدل بطالة ارتفع من 16% سنة 2009 إلى 22% سنة 2019. ومعدل نمو لم يتجاوز 1 فاصل 5% ولا تظنن يا قارئي العزيز أن هذا الخندق العميق الذي فصل تونس عن توأمتيها ماليزيا و كوريا الجنوبية جاء بسبب طبيعة قاسية هنا وملائمة هناك أو أن لعنة أصابت التوانسة فتأخروا وأن نعمة حلت بالماليزيين و الكوريين فتقدموا أو أن زلازل أو سنوات عجافا ضربت تونس فدحرجتها إلى الوراء بينما منَّ الله على أختيها بمائدة نزلت من السماء، لا وألف لا، لأن الفقر سياسي وحضاري وثقافي في تونس وأن النعمة سياسية وحضارية وثقافية في ماليزيا و كوريا بل كما كان يقول أستاذنا الكبير (ألفريد سوفيه) عالم الاقتصاد والاجتماع ومبتكر عبارة العالم الثالث في محاضراته بباريس حين كنا طلابا: (إن التخلف ليس ظاهرة اقتصادية أو سياسية، بل هو ظاهرة ثقافية).الفتنة الكبرى الثانية لدى العرب هي التي نعيش نتائجها المأساوية هذه السنوات، ونأكل ثمارها المرة كان سببها الأصلي سوء تقدير جيل الاستقلال في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حين لم يدرك البعد الثقافي للتخلف واعتقد أن تحرير أوطانه من الاستعمار الغربي، عسكريا وإداريا، سيكون كافيا لتنهض شعوبهم وتتقدم ولم يدركوا أن نفس الاستعمار ظل معششا في وجدانهم ومستعمرا رؤوسهم !