الاستاذ الطاهر بوسمة يكتب لكم : بتلك الطريقة ضاعت تونس الخضراء

13 جوان 2018  (11:07) صالون الصريح

 

كتب الطاهر بوسمة

كتبت سابقا عن النظام الانتخابي الذي اختناه منذ انتخابنا للمجلس التاسيسي لكتابة الدستور الجديد وهو يعتمد على القائمات المغلقة بدون خلط او تشطيب ونفلناه باكبر البقيا الحاصلة بحجة تشريك الأحزاب الصغيرة في التمثيل ولكن تلك الطريقة لم تكن عادلة اذ كان الفارق بين الفائزين بالأصوات يعد بالالف وكم من واحد وجد نفسه فائزا بالصدفة وكأنه ملأ ورقة في الرهان الرياضي وفاز بالملايين. كانت مهزلة استمرت لعدة سنين استعملناها مرة أولى في المجلس التاسيسي واعدناها في المجلس النيابي ثم  كررناها في الانتخابات البلدية واعطتنا فوسيفساء لا يمكن الاستفادة منها او الاتفاق على شيئ مفيد وسوف نرى ذلك قريبا في تشكيل مكاتب البلديات المنتخبة اخيرا وبعد ايّام قليلة سنرى ونرى كل يسعى فيها للرائاسة لانه لم تكن لأي حزب او او قائمة مستقلة الاغلبية اللازمة وسوف يصبح للحالفات سوقا رائجة على حساب البرامج ومصلحة الناخبين.

كان من خاصية تلك الطريقة استحالة وجود اغلبية لأي شق سواء كان حزبا او مستقلا تمكنه من تشكيل حكومة او مجلس بلدي قادرًا على تنفيذ البرنامج الذي تقدم به وانتخب على اساسه وسوف يحاسب لاحقا عليه، وذلك ما نعيش اليوم عليه في ظل الحكومات المتتالية التي شكلها حزب نداء تونس الفائر بالمرتبة الاولى ب 86 نائب وهو عدد لا يمثل اَي اغلبية في 217 نائبا في مجلس نواب الشعب عندنا في تونس ، نعم انه كان الحزب الاول وله الاولوية في تشكيل الحكمة ولكنه كان يلزمه 23 نائبا ليتمكن من الحكم بالاغلبية المطلقة المحددة ب 109.

انه لم يجد  امامه حسب تقديره الا حركة النهضة التي جاءت الثانية في الترتيب وحصدت 69 مقعدا وكانت خصمه اللدود التي كان يشيطنها في الحملة الانتخابية وفاز بفضلها باصوات النساء بعدما أخافهن بمزاعمه بانهن سيلازمن بيوتهن لتربية الابناء والرجوع بهن لتعدد الزوجات اذا صوتن للنهضة، وانطلت عليهن تلك الحيلة وكن حجز الزاوية للنداء وشارك منهن في التصويت له اكثر من مليون امرأة حسب تقديرات مراكز سبر الاّراء والله اعلم.

بذلك نصح الرئيس الشرفي للنداء بعدما بات رئيسا للجمهوية بالتحالف مع حركة النهضة التي كان لها ما  يكفي من الاصوات لتوفير الأغلبيات المنشودة. وربما كان ذلك جزءا من اتفاق باريس بين الشيخين والله اعلم.

لم يعترض احد من النداء على خياره ذلك ووقع تململ خفيف ومحتشم في صفوفه ولكن الخطة انتهت كما تم ترسيمه ومازالت قائمة الى اليوم.

كانت حركة النهضة وقتها تمر بازمة خوف بعد الذي جرى للإخوان قي مصر ودخول ليبيا في الفوضى واستعصاء سوريا وتبدل في الرأي العام في الداخل والخارخ فقبلت العرض مقابل موضع قدم بوزير واحد في الحكومة.

وكانت حكومة الحبيب الصيد الاولى وهو إطار فني سام شارك في الحكومة الانتقالية بعد الثورة وتقلد وزارة الداخلية فيها وابتعد بعدها عن الحكم والسياسة حتى استدعاه مرة اخري رئيس الجمهورية وعرض عليه تشكيل الحكومة سدا للباب الذي بدا الريح يدخل منه لنداء تونس، والكل يرى نفسه احق بذلك الموقع المرموق ليستفيد منه.

كان ذلك سببا في انشقاق النداء الذي غادره رئيسه المؤسس وجوبا بعد تحمله لأعباء رئاسة الجمهورية وأخذ معه البعض من قيادته البارزة الى رئاسة الجمهورية وتولى نائبه في النداء رئاسة مجلس نواب الشعب تجسيما للتفوق مدعوما بحركة النهضة التي جنت بفضله موقع اول النواب الرئيس في شخص عبد الفتاح مورو.

 لم يصمد النداء بعدها طويلا بعد تشكيل الحكومة اذ لم تكن القصعة كافية للطامعين في التوزر او تبوأ موقعا ممتازا فيها وبدات الانشقاقات تظهر باحتشام وما لبثت ان عمت وظهرت للعلن لما وقع تبادل العنف بين شقوقه في لقاء الحمامات ونقل ذلك مباشرة عبر وسائل الاعلام وتلاه مؤتمر سوسة الذي كرس الخلاف والانشقاق وتكونت اثره ومن الشقوق كتلة المستقلة على حساب الكتلة الأصلية التي لم تعد الاولى في المجلس لتخلفها فيها كتلة حركة النهضة لكنها لم تتمسك بذلك وبقي النداء محافظا على الاولوية حتى في تعيين الحكومة الثانية.

كان ذلك كله بسبب النظام الانتخابي الذي أسس على الشيطنة والحيلة خوفا من فوز النهضة بالاغلبية فانقلب السحر على الآخرين وباتوا يسعون للتقرب منها لما احتاجوا اليها، فافسدوا بذلك الديمقراطية التي تستوجب المواجهة الحقيقة في المجالس النيابية، ولن يكون ذلك الا باغلبية حاكمة ومعارضة فعالة.

اننا بتلك التحالف المغشوش بتنا مثلما كنا وأصبحنا وبات المجلس يعمل صوريا لانه كلما تم الاتفاق بين النداء والنهضة تمرر القوانين بالاغلبية المريحة وتبقى المعارضة تصرخ بالصوت العالي ولكنه لن يستمع لصوتها إنسان .

راينا بعض الاستثناء في مناسبات قليلة لما اختلفت الرؤيا بين النداء والنهضة، حدث ذلك  مرة في أحقية التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة وقاطع نواب النهضة التصويت ولم يكسب النداء من الاصوات الا 68 كانت غير كافية حتى للثلث المعطل المحدد وجوبا ب73 ولكن النداء وقتها اعتبره غير ملزم وباتت الحكومة في ورطة امام شركائها في العالم، وتكرر ذلك في اختيار أعضاء الهيئة العليا للانتخابات ورئيسها وعند تعذر انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية بالرغم الأجل المجدد لها دستوريا.

من ذلك ظهر شذوذ تلك الطريقة المبتدعة التي جمعنا فيها بين المتناقضين فكانت سببا فيما نعيش فيه من تاخر وتخلف وصعوبات ظاهرة وخفية من بطالة وهجرة سرية وفوضى عامة وانهيار في قيمة الدينار وكثرة التداين وفي عزوف الناخبين في اول مناسبة جرت، كانت في الانتخابات البلدية الاخيرة لما افتكت الريادة فيها القائمات المستقلة وفازت على كل الأحزاب  بالرتبة الاولى وبدون مال فاسد او تطبيل من وسائل الإعلام الماجورة.

انها كنت فرصتنا الذهبية التي أضعناها وفوتناها على أنفسنا وكانت محققة لولا ذلك النظام الانتخابي المستورد وكله ألغام  زرعت للنهضة فوقعت فيها تونس كلها بعدما راهنت على خبرة هؤلاء الخبراء الذين اندسوا في غفلة منا في هيئة حماية الثورة والانتقال الديمقراطي والتي ترأسها العميد عياض بن عاشور سامحه الله وغفر له اكراما لوالده الفاصل وجده الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير برد الله ثراه.