أبو ذاكر الصفايحي يدعو الى تدّبر القرآن: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال…

كتب: أبو ذاكر الصفايحي
من الآيات التي ذكرت فيها كلمة القران والتي جاءت في أسلوب رفيع أنيق قل أو انعدم استعماله اليوم لدى أقطاب الفصاحة والبيان هي قوله تعالى (ولوان قرانا سيرت به الجبال او قطعت به الأرض او كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين امنوا ان لو شاء الله لهدى الناس جميعا) الرعد32 ولا شك ان هذه الآية تتطلب لمن يريد ان يتدبر القران والا يكون من الغافلين شرحا لغويا ودينيا يتعلقان بجواب أداة الشرط (لو) فأين هو جوابها وما وجه تخصيص الجبال والأرض والموتى بالذكر؟ وما معنى اليأس المسبوق بالاستفهام الإنكاري؟ ولا شك ايضا ان الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله قد أبدع كعادته في تفسير هذه الآية وهو احد القلائل من المتمكنين ومن المتخصصين في قواعد وفي فنون اللغة العربية والعارف بكل جوانب وبكل مقتضيات العقيدة الإسلامية…
يقول الشيخ رحمه الله في الإجابة عن كل تلك الأسئلة (والمعنى لوان كتابا من الكتب السالفة اشتمل أكثر من الهداية فكانت مصادر لإيجاد العجائب لكان هذا القران كذلك ولكن لم يكن القران كذلك فهذا القران لا يتطلب منه الاشتمال اذ ليس ذلك من سنن الكتب الالاهية وجواب (لو) محذوف لدلالة المقام عليه وحذف جواب (لو) كثير في القران الكريم كقوله تعالى (ولو ترى اذ وقفوا على النار) ويفيد ذلك معنى تعريضيا بالنداء عليهم بنهاية ضلالتهم اذ لم يهتدوا بهدى القران ودلائله والحال لوان قرانا امر الجبال ان تسير والأرض ان تنقطع والموتى ان تتكلم لكان هذا القران بالغا ذلك ولكن ذلك ليس من شان الكتب… وتخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق المفروضة ما رواه الواحدي والطبري عن ابن عباس ان كفار قريش ابا جهل وابن ابي امية جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا لو وسعت لنا جبال مكة فسيرتها حتى تتسع ارضنا فنحرثها فانها ضيقة او قربت الينا الشام فإننا نتجر اليها او اخرج قصيا نكلمه…
وقوله بل لله الأمر جميعا عطف على ولوان قرانا اي ليس ذلك من شان الكتب بل لله أمر كل محدث فهو الذي انزل الكتاب وهو الذي يخلق العجائب ان شاء وليس ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند سؤالكم فامر الله نبيه بان يقول هذا الكلام إجراء لكلامهم على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم لانهم ما أرادوا بما قالوه الا التهكم فحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيها على ان الأولى بهم ان ينظروا هل كان في الكتب السابقة قران ياتي به مثل ما سالوه…وفرع على الجملتين (افلم ييأس الذين امنوا ان لو يشاء الله لهدى الناس جميعا)استفهاما إنكاريا لانتفاء يأس الذين امنوا اي فهم حقيقيون بزوال يأسهم وان يعلموا ان لو يشاء الله لهدى الناس جميعا…)(التحرير والتنوير الصفحتان 143/144 الجزء الثالث عشر المجلد السادس)…
وهل يسعنا بعد هذا الجزء من التفسير وهذا الجزء من التحرير وهذا التنوير الا ان نعتقد اعتقادا جازما ان القران كتاب هداية وإرشاد وليس كتاب تسيير الجبال ولا تقطيع الأرض ولا تكليم الموتى كما يتصور ذلك ويطالب به أهل الجهل والغفلة والاستهزاء والتكذيب والعناد وان نعتقد أيضا تمام الاعتقاد ان الهداية بيد الله وبمشيئة وما علينا الا ان ندعو لأنفسنا ولغيرنا بان يمن الله علينا وعليهم بهذه الهداية مستوعبين ومذعنين لقوله تعالى الذي انزل كتابه على نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وجعله للناس بشيرا ونذيرا(ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا)