أبو ذاكر الصفايحي يدعو الى تدّبر القرآن: وقفة تأمل وتفكير في آية عجيبة من كتاب الله المنير

كتب: أبو ذاكر الصفايحي
شهر رمضان كما هو معروف ومعلوم منذ زمان هو شهر القران لقوله تعالى بصريح اللفظ وواضح البيان(شهر رمضان الذي انزل فيه القران هدى للناس و بينات من الهدى والفرقان)…

ولئن كان المسلمون قد تعودوا منذ زمان على قراءة هذا القران إلا ان القليل منهم مع الأسف الشديد هم الذين يتدبرونه و يبحثون عما فيه من التبيين ومن البيان ويسعون بذلك كما امرهم الله الى التماس طريق الهدى والرشاد والدليل على ذلك انك لو استوقفت اغلب الذين يقرؤون هذا الكتاب العظيم ويرتلونه اناء الليل وأطراف النهار وسألته عن معاني بعض الآيات وخاصة تلك التي تدعو الى التساؤل والحيرة والتدبر والتفكير لما اشتملت عليه من معان تعتبر من قبيل العجب العجاب لنظر اليك في استغراب وكانه لم يمر بقراءة تلك الآيات وكأنه يسمعها لاول مرة طوال ما عاشه من أعوام ومن سنوات في هذه الحياة ومن هذه الآيات التي تفرض على العقلاء بعض التساؤلات التي لا بد لها من توقف بل من وقفات ونظرات وتأملات قوله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ارني انظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صاعقا فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين) الأعراف 143 فلماذا سال موسى ربه ان يراه دون بقية رسل الله اجمعين؟ ولماذا جاء الاستدراك الالاهي (لكن) بعد جواب الله بالنفي المؤكد لعدم وقوع الرؤية؟ ولماذا قال الله تعالى بعد هذا النفي المؤكد (فسوف تراني) ؟ ولماذا قال موسى (وانا أول المؤمنين) رغم انه يعلم انه ليس اول المؤمنين؟

أ لم تصبح هذه الآية من سورة الأعراف بعد هذا التحرير وهذا التنوير العاشوري الرائع الكامل الأوصاف واضحة بينة ناصعة

لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة مجتمعة الا بالرجوع الى أقطاب تفسير القران ولسنا نرى اولى منهم جميعا بالجواب غير شيخنا العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله صاحب التحرير والتنوير والذي قال فيه (وسؤال موسى رؤية الله تعالى تطلع الى زيادة المعرفة بالجلال الالاهي لانه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث وحصل لموسى احد ركني الملاقاة وهو التكليم أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة…والاستدراك المستفاد من (لكن) لرفع توهم المخاطب الاقتصار على نفي الرؤية بدون تعليل ولا اقناع او ان يتوهم ان هذا المنع لغضب على السائل ومنقصة فيه فلذلك يعلم من حرف الاستدراك ان بعض ما يتوهمه سيرفع وذلك انه امره بالنظر الى الجبل الذي هو فيه هل يثبت في مكانه؟
وهذا يعلم منه ان الجبل سيتوجه اليه شيء من شان الجلال الالاهي وان قوة الجبل لا تستقر عند ذلك التوجه العظيم فيعلم موسى انه احرى بتضاؤل قواه الفانية لو تجلى له شيء من سبحان الله تعالى.. وقوله( فسوف تراني) ليس بوعد بالرؤية على الفرض لانه قد سبق قوله (لن تراني) ازال طمع السائل في الرؤية ولكنه ايذان بان المقصود من نظره الى الجبل ان يرى راي اليقين عجز القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى من عدم ثبات قوة الجبل…وقوله (وانا اول المؤمنين)اطلاق الأول على المبادر وهذا مجاز شائع مساو للحقيقة والمراد به هنا وفي غيره كناية عن قوة ايمانه حتى انه يبادر اليه حين تردد غيره فيه فهو للمبالغة وقد تقدم نظيره في قوله تعالى (ولا تكونوا اول كافر به ) في سورة البقرة وقوله (وانا اول المسلمين) في سورة الأنعام( التحرير والتنوير من ص91الى ص94) الجزء التاسع من المجلد الرابع)
أ لم تصبح هذه الآية من سورة الأعراف بعد هذا التحرير وهذا التنوير العاشوري الرائع الكامل الأوصاف واضحة بينة ناصعة تزيد القارئ لها ما ينبغي من الفهم والعلم وشحذ العقل ومداومة التدبر وعمق التفكير وما يفيد كل ذلك في الاستزادة من قوة ومن حلاوة الايمان في كل زمان وفي كل مكان؟ اوليست هذه الأغراض مجتمعة من أبلغ ومن أوكد أغراض نزول القرآن