أبو ذاكر الصفايحي يذكر ويتذكر: شيء من البيان في مبحث إعجاز القرآن

كتب: أبو ذاكر الصفايحي
مما لا شك فيه إن شهر رمضان هو شهر نزول القرآن وهو شهر الإكثار من قراءته وتكراره لمزيد التقرّب من منزله سبحانه وتعالى الرحيم الرحمان الذي تحدى به الإنس والجان في كل زمان وفي كل مكان ولا أظن أن هناك ظرفا مناسبا للحديث عن القرآن أفضل من شهر رمضان للسبب الذي ذكرناه ولغير ذلك من الأسباب…
ولقد اخترت بهذه المناسبة الدينية أن أتحدث عن موضوع عظيم يتعلق بالقرآن تعلقا ممتازا ليس بعده وليس قبله وليس فوقه امتياز الا هو موضع إعجاز القرآن الذي جعله وسيجعله خالدا وعظيما مهما تغير الزمان ومهما تغير المكان ومهما تغيرت أحوال وظروف الإنسان ولقد انتقيت واخترت ضمن هذا الاختيار نصا جامعا مانعا من كتاب الإتقان في علوم القرآن لشيخ الإسلام جلال الدين السيوطي رحمه الله رب العالمين ورحم علماءنا وشيوخنا أجمعين الذين ساهموا بعقولهم وأقلامهم في تعريف الناس بكل ما يتعلق بالقرآن وبدين الإسلام خاتم رسالات الله للناس أجمعين يقول الشيخ في فصل عقده تحت عنوان (النوع الرابع والستون في إعجاز القرآن) (اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القران فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلها حكمة وصواب وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره فقال قوم هو الإيجاز مع البلاغة… وقال آخرون هو البيان والفصاحة وقال آخرون هو الوصف والنظم وقال آخرون هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر مع كون حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم وجنس آخر متميز من أجناس خطابهم حتى ان من اقتصر على معانيه وغير حروفه اذهب رونقه ومن اقتصر على حروفه وغير معانيه أبطل فائدته فكان في ذلك ابلغ دلالة على إعجازه وقال آخرون هو كون قارئه لا يكل وسامعه لا يمل وان تكررت عليه تلاوته وقال آخرون هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية وقال آخرون هو ما فيه من علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع وقال آخرون هو كونه جامعا لعلوم يطول شرحها ويشق حصرها وقال الزركشي في البرهان أهل التحقيق على ان الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد على انفراده فانه جمع ذلك كله فلا معنى لنسبته الى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل وغير ذلك مما لم يسبق فمنها الروعة التي له في قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقر والجاحد ومنها انه لم يزل غضا طريا في أسماع السامعين وعلى السنة القارئين… ) (انظر الجزء الثاني صفحة 122) اما ابو ذاكر فيزيد ويقول ولما كان القران باتفاق العلماء معجزة خالدة مخاطبة لكل الناس صالحة لكل زمان ومكان ولما كانت اختصاصات الناس متعددة في كل العصور فمن المعقول ان يكون كتاب الله تعالى جامعا لكل أنواع الإعجاز في جميع أنواع العلوم وأنواع الاختصاصات مهما تفاوتت هذه الأنواع من حيث الكثرة ومن حيث الانتشار في كل عصر وفي كل مصر وفي كل بيت وفي كل دار ولا يقبل أبدا عقلا وشرعا ان يقول قائل بنوع من البلاهة ومن الغباء ان النوع الفلاني من الإعجاز لم يعد صالحا لهذا الزمان اذ نقع بذلك في نوع مقيت من التمييز بين العلوم قد يبلغ درجة الإبعاد والإهمال و الإقصاء لأنواع معينة من الاختصاصات فماذا سنقول مثلا لأهل الاختصاص في اللغة والأدب بصفة عامة؟ هل نقول لهم انتهى عصركم وليس القرآن معنيا أو حريصا على هدايتكم إليه وعلى مجادلتكم وعلى مخاطبتكم؟
وكيف سندعوهم إلى التصديق بهذا القرآن بعد ان نقول لهم هذا الكلام وهم لا يفهمون ولا يتذوقون ولا يتلذذون من علوم الدنيا غير علوم اللغة وعلوم اللسان وفنون البيان؟ فلم يبق شك اذن لدى العقلاء ان القرآن الكريم المبين قد خاطب وسيظل يخاطب في كل العصور الناس أجمعين سواء أكانوا لغويين او اطباء او فلكيين أو سياسيين أو اقتصاديين وسواء أ كانوا قلة أو أكثرية ومن يقول غير ذلك فهو لم يفهم إعجاز القرآن ولم يدرك المقاصد التي أنزله من أجلها رب العالمين هداية للناس أجمعين…
ولا أريد ان أنهي هذا المقال قبل ان أذكر ما قال لي تلميذ من تلاميذ الباكالوريا وقد كنت أستاذه في سنة من سنوات الثمانينات وقد كان الدرس في ذلك الزمان درسا تحت عنوان الاقتصاد في الإسلام وفق البرامج الرسمية للبلاد التونسية فقد تدخل هذا التلميذ قائلا: (وهل في القرآن يا أستاذ ما يشير إلى شروط النجاح في عالم الاقتصاد؟ فافتتحت إجابتي بذكر آية قرآنية من سورة القصص الآية 26 يقول فيها سبحانه وتعالى(قالت إحداهما يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوي الأمين) وقلت له إثرها باختصار أوليس اهم شرطين يجب توفرهما في من يتبنون ومن يتولون تنفيذ أي خطة واي منهجية اقتصادية ويسعون بصدق الى انجاحها هما القوة أي (الكفاءة والقدرة الذاتية) والأمانة الخلقية ؟وانه مهما تولى شؤون الاقتصاد في بلد من البلدان أكفاء وقادرون ولكنهم غير أمناء ولا هم يحزنون فهل ترى أنهم سينجحون؟ وانه لو تولى شؤون الاقتصاد اهل الثقة والأمانة فهل تراهم سينجحون ان أعوزتهم القدرة والكفاءة العلمية أيها العقلاء أيها الصادقون؟ اوليس في هذه الآية الموجزة البليغة الرائعة نوع من الإعجاز في ضبط وتحديد واختصار شروط نجاح أي خطة واي منهج اقتصاد في كل عصر وفي كل مصر وفي كل بلاد؟