أبو ذاكر الصفايحي يكتب في عيد الشغل والعمل: كلمات وجمل في الطمع والانتهازية والكسل

كتب: أبو ذاكر الصفايحي
لئن كان للتونسيين أقوال وامثال كثيرة حكيمة في تكريم وتمجيد العاملين المجتهدين المؤمنين بضرورة وفوائد العمل والشغل وكسب الرزق ببذل ما امكن من الجهد وعرق الجبين الا أن لهم أيضا أقوالا وأمثالا أخرى في التشهير بأهل الكسل والطمع المعروفين بالانتهازيين الذين لا فائدة ولا نفع لهم لباقي البشر والذين يصدق فيهم قول من قال انهم (يشربون الماء ويضيقون على ما يفيد الناس من الشجر)…ومن ذلك قولهم (اخدم يا تاعس للراقد الناعس) وهو قول ومثل يقال ويضرب في من يتعب ويكد ويجتهد ولكن المتمتعون الحقيقيون بثمار عملهم هم غيرهم من باقي البشر ممن ليس لكسلهم ولخمولهم ولنومهم مقدار ولا حد….
ومن ذلك قولهم (الوعدة لبن عروس والدحير للكلاعي) وهو مثل يضرب ويقال في من لا يناله ولا يلقاه في هذه الدنيا الا التعب ولا حظ له مما خلقه الله فيها من المتاع ومن النعيم ومن الخيرات بينما غيره من الناس يتمتعون ويمرحون ويتلذذون دون ان يلحقهم اي ارهاق او تعب او اعياء ونفس هذا المعنى يعبر عنه أيضا بعض الآباء والجدود بقولهم (سعود موش ضرب زنود ) ولا اريد ان أمر بمثل الوليين الصالحين المشهورين سيدي بن عروس وسيدي بن كلاعي دون ان أشير الى قصتهما المشهورة المعروفة المعلومة اذ سمعنا كبارنا يقولون منذ زمان بافصح تعبير وباجمل لسان ان سكان العاصمة او الحاضرة التونسية كانوا كثيرا ما يقدمون الوعدة للولي الصالح المعروف سيدي بن عروس وكانوا يكترون لحمل تلك الأطعمة الموعودة الحمالين وكان الحمالون في طريقهم الى زاوية سيدي بن عروس يستريحون قليلا في زاوية سيدي بن كلاعي قبل ان يواصلوا طريقهم الى الزاوية الاخرى الموعودة وكان سيدي بن كلاعي يسمع لهيث او دحير اولائك الحمالين المتعبين المرهقين ولكن لا يناله شيء ابدا من تلك الوعدة التي يحملونها دائما او غالبا الى الزاوية الأخرى فيتنهد سيدي بن كلاعي ويحوقل ويقول بصوت مسموع وصدر ضيق وقلب حزين موجوع وبلسان الحكيم الواعي(الوعدة لبن عروس والدحير للكلاعي)…
وكم فينا في هذه البلاد وغيرها من البلدان من لا ينالهم نصيب معقول مفروض من الخيرات ولكن ينالهم ويرهقهم ويضجرهم ويحزنهم ويؤرقهم بدلا منها سماع الدحير والشكاوى والتأوهات والتنهيدات… كما تغنى عم الهادي السملالي المطرب الفكاهي رحمه الله ذات يوم وعبر عن نفس هذه المعانى السابقة فقال: (فاش قام نخدم ونكالي وغيري يتمتع باموالي) كما جاء في اقوال وامثال التونسيين السابقين رحمهم الله قولهم الذي لا يجهل معناه اولو الفكر والشعور والإحساس (جاء يعاون فيه على قبر بوه هربلو بالفاس) فكم من مخادع غشاش لئيم يدعوه احد المساكين المخدوعين المغفلين لإعانته على انجاز عمل من الأعمال فلا يكتفي بكسله في اداء ذلك العمل بل يخون ذلك المسكين ويسلبه راس ماله والملمة والي ثمة ويفر ويختفي ويتوارى عن وجهه بسرعة وعلى عجل دون حشمة او حياء او خوف او رجولة او خجل…
كما قالوا رحمهم الله ومن عليهم بعفوه ورضاه في قديم الأقوال وفي سابق الأمثال في التعبير عن طبع الطمع المنتشر بين كثير من الناس والذي لا ينتهي ولا ينقطع فيهم او كما يقول التونسيون(ما يوفاش) (الراجل يقول خالي باش يغنيني والخال يقول ولد اختي باش يخدمني بلاش) وكم فينا من الطماعين ومن المخادعين الذين يتعاملون مع بعضهم البعض ويشتركون في بعض المشاريع و الأعمال وهم يدعون انهم يبحثون عن الكسب وعن الربح الحلال ولكن كلا منهم ينوي ويخطط ان يستبله وان يخادع وان يطمع وان يبتز الطرف الآخر مدفوعين بطبع وخلق النفوس الشريرة المليئة بمرضي الجوع والأنانية التين لا تثمران دائما وابدا غير الآفات والمصائب والماسي الفردية والاجتماعية…
فليتهم يتذكرون قول من سبقونا الذين نصحونا بشتى النصائح الثمينة كقولهم (على الباغي تدور الدوائر) و(من حفر جبا لاخيه وقع فيه) و(امش بالنية وارقد في الثنية) و(بقي والزمان يلقي) اما ابو الطيب المتنبي رحمه الله فقد نصح ونبه وحذر بقريحته وعبقريته الشعرية المخادعين والطماعين منذ زمان فقال مستهزئا وساخرا ومهددا ومتوعدا في قصيدته المشهورة(لكل امرئ من دهره ما تعودا…) والتي ننصح الطماعين والمخادعين ان يقرؤوها وان يتاملوا معانيها علهم يهتدون الى سبيل الرشد وطريق الهدى…
(ومن يجعل الضرغام بازا لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا)