أبو ذاكر الصفايحي يكتب لكم: أجمل وأروع الكلام في التهنئة بقدوم شهر الصيام

كتب: أبو ذاكر الصفايحي
لا يختلف ولا يتجادل ولا يتخاصم اثنان في أن شهر الصيام أو شهر رمضان قد مثّل في تاريخ الآداب العربية مجالا خصبا لإبداع المبدعين السابقين الأسلاف، فقد تركوا للاحقين و للاخلاف ما يدل على سعة باعهم وطول ذراعهم وصدق وعميق ابداعهم بلا شك ولا اختلاف ولكن مع الأسف الشديد فإننا نرى أدباءنا اليوم عن اقتفاء أثرهم عاجزين وأنهم غير قادرين على ملء الفراغ الذي تركه رحيلهم عنا منذ أعوام وسنين وإننا مع ذلك نحمد الله اليوم ان تراثنا الأدبي العظيم مازال موجودا بين أيدينا وفي متناول الناظرين والباحثين يخفف عنهم وينسيهم هذا العقم وهذا الضعف الغريب العجيب الذي أصبح عليه أدباؤنا اليوم والذي لا نظن انهم سيتجاوزونه ويتخلصون منه في المستقبل القريب فإننا سنحاول ان نقف على بعض هذه الإبداعات الأدبية التي جادت بها قرائح أسلافنا في موضوع شهر رمضان علها تكون للقراء اليوم خير عزاء في هذا الواقع الأدبي الموسوم بالجدب والقحط والخواء…
فمن إبداعات أدبائنا السابقين في باب التهنئة بقدوم شهر الصيام ما قاله الأمير تميم بن المعتز لدين الله الفاطمي وهو يهنئ أخاه الخليفة العزيز بالله على رأس قائمة المهنئين في تلكم الأيام:
ليهنئك ان الصوم فرض مؤكد من الله مفروض على كل مسلم
وانك مفروض المحبة مثله علينا بالحق قلت لا بالتوهم
فهنئته يا من به الله قابل من الخلق فيه كل نسك مقدم
انظروا رحمكم الله ايها القراء الكرام وجه الشبه الجميل وهذا الجمع البديع بين الاعتراف و تأكيد وإثبات فرض الصيام وبين إثبات وإقرار محبة الخليفة بالصدق لا بالتوهم او بالإيهام
وقوله شهر الصيام أجل شهر مقبل وبه يمحص كل ذنب مثقل

وكذلك أنت ابرمن وطئ الحصى واجل أبناء النبي المرسل
ثم انظروا رحمكم الله الجمع بين تأكيد أفضلية شهر الصيام بين الشهور باعتباره شهر التوبة وغفران الذنوب الثقيلة وبين اعتبار الخليفة أفضل أهل عصره في تلك الأيام الزاهرة الجميلة
ومن تلكم الإبداعات الأدبية لا يمكن ان ينسى قول (الشريف الرضي) وهو يهنئ بقدوم شهر الصيام (الطائع ) العباسي وقد اشتهر بالصيام والقيام
تهن قدوم صومك يا إماما يصوم مدى الزمان عن الآثام
اذا المرء صام عن الدنايا فكل شهوره شهر الصيام
انظروا رحمكم الله الى المعنى الديني العميق الذي أشار اليه الشاعر الشريف فقد ذكر المسلمين ان اجتناب المعاصي والذنوب والآثام ليس كما يظن الكثيرون من الغافلين مقتصرا فقط على رمضان شهر الصيام بل ان ترك طرق أبواب الحرام يجب ان يستمر كامل ايام وشهور العام
اما اذا أردنا ان نذكر شيئا من النثر في هذه المقام وهو التهنئة بشهر الصيام فما أحسن ان ننظر فيما كتبه( الصاحب بن عباد) في هذا الباب الى أحد الأمراء( كتابي أطال الله بقاء الأمير غرة شهر رمضان جعل الله أيامه عزا وأعوامه زهرا وأوقاته إسعادا وساعاته أعيادا واتاه في هذا الشهر الكريم مورده ومأتاه أفضل ما قسم فيه لمن تقبل أعماله فبلغه آماله فأصلح به وعلى يديه فحرس الله منائحه ومناجحه لديه وأنباء الحضرة العالية واردة بما يظاهر الله للملك من نعم تحرس الخلافة وتعود بفضلها على الكافة ومولانا الأمير بين تفضل من الله يديمه وحق من مصالح الدين والدنيا يقيمه والحمد لله رب العالمين وصلاته على النبي محمد واله اجمعين(رسائل الصاحب) انظروا وقارنوا رحمكم الله وهداكم بهداه بين هذا الطرز البديع الرفيع من تهاني وأماني السابقين وقارنوا وميزوا بينها وبين تهاني أدبائنا فضلا عن عامتنا الحاليين فستجدون طبعا وفعلا ان تهانيهم لا تزيد في أحسن الأحوال عن جملة (رمضانكم مبروك) يقولونها بأفواههم او يبعثونها في إرسالية هاتفية دون ان يتعبوا في كتابتها على الورق ثم يمضون إلى حالهم في سرعة البرق ورحم الله من قال فيهم وبالحق نطق(ارفع يديك عن الطبق حتى لا تحترق)