أبو ذاكر الصفايحي يودع شهر رمضان: مقال على هامش رصد هلال شوال

كتب: أبو ذاكر الصفايحي
ها إن شهر رمضان قد أذن بالرحيل وشد عصا الترحال وها أن المسلمين سيخرجون إن شاء الله بفرحة وابتهاج لرصد هلال شهر شوال ولقد قال الشعراء الكثير من الأبيات الطريفة الظريفة في الحديث عن مقدم هلال شهر شوال وللتعبير عن الفرح برؤيته منذ قديم الأعوام والسنوات وعلى مدى تعاقب الأجيال ومما يروى في ذلك أن الملك الشاعر عيسى الأيوبي الملقب بمأمون بني أيوب كان قد صعد على مئذنة جامع دمشق لرؤية هلال شوال ومعه القاضي والشهود فلم ير الهلال احد منهم ولكن رأته جارية من جواريه فقال الملك للشاعر ابن القصار قل في ذلك شيئا فقال ابن القصار على الفور
توارى هلال الأفق عن أعين الورى وغطى بستر الغيم زهوا محياه
فلما اتاه لاجتلاء شقيقه تبدى دون الأنام فحياه
ويقول علي بن ظافر الاندلسي اخبرني ابوعبد الله بن المنجم فقال صعدت الى سطح الجامع بمصر في اخر شهر رمضان مع جماعة فصادفت الأديب ابا الفتوح بن قلاقس وعلي ابن المنجم فانضفت اليهم فلما غابت الشمس وفاتت ودفنت في المغرب حين ماتت وتطرز حداد الأفق بعلم هلاله وتجلى زنجي الليل بخلخاله اقترح الجماعة على ابن قلاقس وابن المنجم ان يصنعا شيئا في صفة الحال فانشد ابن المنجم وعشاء كأنما الأفق فيه لازورد مرصع بنظار
قلت لما دنت لمغربها الشمس ولاح الهلال للنظار
اقرض الشرق صنوه الغرب دينا را فاعطى الرهان نصف سوار
وانشد بعده ابن قلاقس لا تظن الظلام قد اخذ الشمس واعطى النهار هذا الهلال
انما الشرق اقرض الغرب دينا را فاعطاه رهنه خلخالا
هذا غيض يسير من فيض كبير ميز تراث ادب وفن ونبوغ المسلمين الأقدمين في الحديث عن مقدم هلال شوال واننا لنتساءل وحق لنا السؤال لماذا لم نعد نسمع من شعراء اليوم شيئا ممتعا طريفا راقيا من هذا القبيل وعلى هذا المنوال؟ فهل نقول ونحن صادقون ان العبقرية والذكاء وحضور البديهة والطرافة قد ذهب ورحل بها الأولون المبدعون؟ كما اننا نتساءل بكل عفوية وبكل صدق وبكل صراحة ما جدوى وما نفع تكاثر وتناسل كليات وجامعات الآداب في هذه البلاد وفي خارج هذه البلاد واساتذتها ودكاترتها وطلبتها عاجزون عن الاتيان بمثل او بنصف اوبربع او حتى بمعشار ما قاله الأدباء الأقدمون الأولون؟ اليس الأولى ان تراجع كليات الآداب اليوم مناهجها وبرامجها التعليمية حتى لا نقول فيها بالمفيد المختصران مثلها كمثل الذي(يشرب الماء ويضيق على الشجر)؟ او نقول لها ونذكرها بما قاله العرب قديما في بيان حال من يكثر الكلام والضجيج ولا يخرج للناس شيئا مفيدا نافعا ثمينا (نسمع جعجعة ولا نرى طحينا)