أحمد القديدي يكتب: تفاصيل العدوان الثلاثي على مصر يكشفها وزير خارجية فرنسا (الجزء 2)

العدوان الثلاثي

كتب: د. أحمد القديدي

بعد الجزء الأول الذي لقي صدى متميزا لدى الشغوفين بالتاريخ و أسراره نورد هنا الجزء الثاني استكمالا لشهادة ذات قيمة تاريخية كبرى لأن محدثي عنها كان (كريستيان بينو) وزير خارجية فرنسا إبان العدوان و كان هو أول مخططيه وهو هنا يستخلص العبر

من مغامرة العدوان بعد سنوات من حدوثه ونحن نعيش الذكرى السادسة والستين للعدوان. قال لي كريستيان بينو:

اسرائيل ليست مظلومة

“لم أعد أعتقد أن إسرائيل مظلومة مثلما كنت اعتقد بعد الحرب العالمية الثانية وانا لا اوافق على ممارساتها وارجو ان يقوم سلام دائم عادل في المنطقة». كان المطر الربيعي الدافئ لا يزال ينهمر على زجاج مكتبة (لاند) بالدور الأول من السربون أعرق جامعة في اوروبا، وكان الرجل العجوز يرتشف قهوته التي بردت وكنت اتأمل يديه المعروفتين المتعبتين وأقول في نفسي : هذه هي ذات اليد اليمنى التي وقعت على وثيقة (سيفر) لتعلن الحرب على عبدالناصر ولتفتح باب الشرق العربي للحضور السوفييتي الطويل وتساهم في صنع زعامة الرئيس المصري بتكريس صورة التحدي الناصري بتأميم القناة بقطع النظر عن تداعيات ذلك القرار الناصري بعد عقود من الزمن…

كيف تلاحقت أحداث العدوان الثلاثي: 26 جويلية 56 : عبدالناصر يعلن عن تأميم القناة 2 أوت 56 : البرلمان الفرنسي يندد! 7 أوت 56 : الحكومة البريطانية تحتج! 23 أوت 56: مؤتمر لندن حول التأميم يهدد الحكومة المصرية بردود فعل دبلوماسية متصاعدة وربما تصل إلى مواجهة عسكرية لإبطال التأميم. 30 أوت 56: الحكومة البريطانية ولجنة الخمسة تلوح بالعدوان. 31 أوت 56: عبدالناصر يعلن: لا أذعن للتهديد!

إنذار وقف القتال

على طول أيام شهر سبتمبر 56 وعندما حل شهر أكتوبر 56 أي منذ ست وستين عاما انتهزت إسرائيل الفرصة عندما تلاقت مقاصد الاستعمار الغربي مع مقاصدها بمناسبة تأميم حكومة الثورة لشركة قناة السويس في جويلية 1956 م. واتفقت على مؤامرة مع كل من إنجلترا وفرنسا، وبدأت القوات الإسرائيلية تهاجم الحدود المصرية في 29 أكتوبر 1956م. وأنذرت الدولتان الاستعماريتان كلا من مصر وإسرائيل بوقف القتال على أن تقف قوات كل منهما على بعد أميال قليلة من جانبي قناة السويس، ولما رفضت مصر الإنذار هاجمت القوات الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية منطقة القناة لتطويق الجيش المصري في سيناء، لكن القيادة المصرية فوتت عليهم هذا الغرض فارتدت وأخلت سيناء حيث تقدم الجيش الإسرائيلي واحتلها…

تنديد بالعدوان الثلاثي

استمر الفدائيون من رجال الجيش بالإشتراك مع الشعب في قتال القوات الاستعمارية في بور سعيد، و تدخلت الأمم المتحدة ونددت بالعدوان الثلاثي علي مصر وطالبت المعتدين بالانسحاب وضغطت الولايات المتحدة على كل من إنجلترا وفرنسا، كما هدد الاتحاد السوفيتي الدول المعتدية، بالإضافة إلي ثورة العمال المتعطلين في إنجلترا وفرنسا ضد حكومتهما بسبب ما تعرضوا له من البطالة، وبذلك فشل الاعتداء واضطرت الدول المعتدية الى سحب قواتها بعد أن وافقت مصر على قرار الأمم المتحدة بوجود قوة طوارئ دولية على الحدود الفاصلة بين مصر وإسرائيل، وفي منطقة شرم الشيخ المطلة على خليج العقبة. أكتوبر: المناخ متفجر وتحرك اسرائيلي واسع 29 اكتوبر 56: اسرائيل تحتل سيناء 5 نوفمبر 56 : هجوم مشترك بريطاني فرنسي 6 نوفمبر 56 : أميركا وروسيا ينددان بالعدوان 7 نوفمبر 56 وقف إطلاق النار وبدء الانسحاب…

 فاتحة عصر جديد

تعتبر أزمة السويس استناداً للأدبيات السياسية والاستراتيجية للدول العظمى، بأنها فاتحة عصر جديد في عملية الصراع وأدواته بين القوى العظمى بعد الحرب وظهور الولايات المتحدة الأميركية كقوة دولية طامحة لتبوء مكانة مهيمنة في السياسة الدولية، جاءت ضمن العالم الغربي لتحتل جميع مواقع الدول العظمى السابقة بريطانيا وفرنسا، والتي أفل نجمها بعد العدوان الثلاثي. ناهيك عن صراع الوجود الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ممثلة للعالم الغربي وبين الاتحاد السوفييتي ممثلا للعالم الشرقي كما نجم عن أزمة السويس تصورٌ خطيرٌ لدى الشعوب العربية وقادتها ونخبها السياسية والإعلامية، مفاده بأن موقف الولايات المتحدة المناوئ للعدوان الثلاثي مبني على نظرة أميركية متصالحة وصديقة نحو العرب، وعزز هذا الاعتقاد بعض السلوكيات والتصريحات للولايات المتحدة والتي توحي بالود والصداقة نحو العرب في عهد الرؤساء ايزنهاور وكنيدي ومستهل عهدة جونسون مما أدى إلى رسم سياسات مغلوطة بأن الولايات المتحدة ستساند العرب ضد أي عدوان إسرائيلي، كما حدث في أزمة السويس. ولم يخطر ببال منسقي السياسات الاستراتيجية العربية بأن للولايات المتحدة خططاً للهيمنة على العالم من خلال الحرب الباردة وسياسة الأحلاف. وهذه إحدى الأسباب التي أدت بالنتائج السلبية لحرب يونيو 1967 والتي استبعدت عامل دخول الولايات المتحدة إلى جانب أي عدوان مرتقب، حيث كانت القوات العربية قد ضمنت تفوقها في المعركة ومن خلال الدعم السوفييتي على إسرائيل، مع أي دعم بريطاني وفرنسي لإسرائيل! من النتائج الأخرى لفشل العدوان الثلاثي هي ازدياد شعبية جمال عبد الناصر والخط السياسي الذي كان ينتهجه وازدادت هذه الشعبية أكثر بعد إعلان قيام الاتحاد العربي بين سوريا ومصر كنواة لدولة عربية شاملة ذات نظام لامركزي والتي أعلنت عام 1958 مما أدى إلى تسريع قيام الحركات المناهضة للأنظمة الموالية للدول العظمى الاستعمارية، ذات التطلعات المهيمنة على مقدرات العالم الثالث كحركة 14 يوليو 1958 في العراق وحركة 26 سبتمبر 1962 في اليمن، ومسيرة الاستقلال في تونس…

الأخطاء العربية

بهذه الخلاصة قرأ موقع ويكيبيديا تداعيات العدوان الثلاثي وحلل حقيقة الأخطاء العربية حين اعتقد زعماء العرب وبخاصة عبد الناصر بأن الولايات المتحدة إنما ساندت الحقوق العربية في القناة وفي فلسطين لكننا استيقظنا كعرب على هول المصائب الأعظم حين خطط الغربيون عموما للصراع الأليم بين العروبة والإسلام منذ تدمير الخلافة العثمانية 1924 ثم منذ أعدم عبد الناصر المفكر سيد قطب و الأزمات مفتوحة الى اليوم منذ ست و ستين عاما تفصلنا عن العدوان الثلاثي الغاشم على مصر!