أحمد القديدي يكتب لكم: الأمل والألم في الصحة والسياسة الدولية !

كتب: د.أحمد القديدي
جلس صاحبنا أمام شاشة قناته المفضلة أملا في أن ينسى قليلا أن الفيروس اللعين ما يزال يهدد حياتنا و ينقلب أو يمسخ سلالات تحمل أسماء دول بعيدة مثل جنوب إفريقيا و بريطانيا و البرازيل و اختار أن يملأ قلبه بالأمل في أن تنجلي الغمة عن الأمة ويفرح عندما تذيع التلفزات إحصاءات الناس الذين تعافوا وشفاهم الله فيبتسم من القلب رغم فداحة اللحظة كما تأتيه أخبار بأن هذا اللقاح أو ذاك تبين أن له بعض المضاعفات السلبية من جلطات دموية يسميها الطب (ترمبوز) و لا تعكر صفو نفسه العابر إلا إحصاءات موتى الأربع و العشرين ساعة الأخيرة في كل البلدان ضحية الكورونا ترافقها إعلانات مخيفة عن تفاقم الأزمة الصحية و تناقص ملحوظ في أجهزة الأوكسيجين و غرف الإنعاش و العناية المركزة في بعض البلدان التي لم تكن حازمة بما يكفي لمواجهة الخطر الفيروسي الداهم!
ثم يشعر بنوع من الارتياح حين يذيع المذيع تهديد السلطات للخارجين عن القانون المتهمين بعدم احترام البروتوكولات الصحية و عدم لبس الكمامة أو ارتكاب التجمعات الممنوعة دون حذر بعدد أكبر من المسموح به. فيتحسس المسكين وجهه باحثا عن الكمامة ثم يضحك حين يتذكر أنه في مجلس بيته و ليس في مكان عام و أنه تلقى الجرعتين و أن أم عياله تلقت الجرعة الأولى و أن أولاده ملازمون البيت يدرسون عن بعد فيحمد الله على نعمائه و يدعوه أن يجنبه سوء العاقبة! وهو يعلم أن لديه أقارب و أصهارا قضت عليهم الكورونا فيبسمل و يحوقل و يدعو لهم بالرحمة! قلنا يحاول المواطن المسكين نسيان الواقع الصحي و يحمد الله على نعمة كتبها الله له بالعيش و لقمة العيش في مجتمع لديه أولويات منطقية و سياسة حكيمة لأن سلطات البلاد التي يقيم فيها منذ ثلث قرن وجهت العناية القصوى لمقاومة الجائحة بإعلان الحجر و سن ردع المخالفات و توفير اللقاحات المأمونة…
وعندما يركز تفكيره على ما يجري في العالم يفرح بأنباء يعلنها المذيع ببشاشة تزف له خبر تأييد مجلس الأمن لليبيا و حكومتها الوطنية الجديدة و دعم العالم لمبدأ مغادرة المرتزقة للتراب الليبي كما يفرح المسكين ببصيص الأمل القادم من عاصمة النمسا و المتعلق بقرب انفراج أخطر أزمة بين إيران و الغرب زائد روسيا حينما يسمع عباس عرقجي يبشر بأن مفاوضات (فيانا) قربت وجهات النظر و أن عودة كل الأطراف الموقعة على اتفاق 2015 ستعود له و أن إيران لا تطلب غير السلام. لكنه إذ يكاد يطمئن و يخلد الى راحة البال و الضمير فإذا بالمذيع تكفهر ملامح وجهه فجأة و تبدأ سيول الصور المرعبة تتعاقب على الشاشة بما يشبه التهديد الموجه له بالذات قادمة من وكالات الأنباء عن اشتباكات بحرية في حرب الكترونية خفية بين إسرائيل و إيران في البحر الأسود كما تأتيه أنباء حرب اليمن و اشتباكات بين أطراف الصراع هناك و يسمع أو يكاد يسمع قعقعة السلاح على الحدود بين أوكرانيا و روسيا وهذه أخطر البؤر المهددة باندلاع حرب بين موسكو و قوات حلف الناتو…
بعد أن تجنب العالم اشتعال نار في القرم منذ أعوام قليلة عندما شكر الناس رب العالمين على انتهاء الحرب الباردة بانتصار الغرب و قيمه الليبرالية منذ نوفمبر 1989 الذي شهد تحطيم جدار برلين وتوحيد ألمانيا و توقيع اتفاق (سالت 1) بين العملاقين للحد من ترسانتهما النووية ومنع انتشار الأسلحة الذرية في العالم. لكن المذيع يسرد على مسامع المواطن المسكين سلسلة المعضلات الدبلوماسية بين واشنطن و موسكو مع قافلة طرد الدبلوماسيين و تبادل العقوبات بينهما و تتابع التصريحات التصاعدية في الحدة بين بايدن و بوتين و بين بلينكن و لافروف و بين الناطقين الرسميين في كلا الدولتين لكن صاحبنا يظل متفائلا لاعتقاده أن هذه التلاسنات لن تبلغ درجة الحرب بين العملاقين وهو الذي عاش في شبابه أزمة كوبا و الصواريخ السوفييتية الموجهة من الجزيرة الشيوعية الى سواحل أمريكا في نوفمبر 1961 و كيف تعقل الرئيسان خروتشوف و جون كيندي فمرت الأزمة على خير! و أعلن المذيع في نفس السياق عن استقالة الرئيس الكوبي (راوول كاسترو) بعد ستين عاما من حكمه و حكم شقيقه (فيدال) كما انقبض قلبه حين استخلص من الأخبار أن اجتماع كينساشا بين أثيوبيا و مصر و السودان فشل بل و أصرت دولة منبع النيل (أثيوبيا) على عزمها ملأ سد النهضة في يوليو القادم و عدم مراعاة حقوق دولة عبور النيل (السودان) و دولة مصب النيل (مصر) مما ربما ستندلع بسببه أكبر حرب للمياه في العصر الحديث. بدأ صاحبنا يشعر بثقل جفنيه فأمر عياله أن يلتحقوا بغرفتهم للنوم و طلب من أم العيال بلطف أن تسوي له قهوة تركي حتى يطرد النوم خوفا من أن يحلم بكوابيس العالم و أن تضغط على الريموت للبحث عن قناة (طرب زمان) ليسمع أم كلثوم ككل ليلة بالأبيض و الأسود…ففرح عندما وجد كوكب الشرق تغني أغنيته المفضلة (جددت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح…حرام عليك خليه ..غافل عن اللي راح).