أحمد القديدي يكتب لكم: التحديات الأخيرة أمام الحكومة الوطنية الليبية

كتب: د.أحمد القديدي
انبهر الرأي العام العالمي منذ شهرين فقط بما حققه الشعب الليبي المجيد من مكاسب تشبه المعجزات و طبعا لم تكن المهمة يسيرة فيكفي أن نقول أنها جاءت بعد عشرة أعوام من فوضى حرب أهلية خطيرة مدمرة أعقبت 43 عاما من حكم العقيد القذافي يمكن نعتها بانعدام الدولة و اختزال الوطن في رجل واحد انقلب في الفاتح من سبتمبر 1969 على الملك الصالح المتصوف إدريس السنوسي رحمة الله عليه الذي كان نقيب الطريقة الصوفية السنوسية أكثر مما كان ملكا و كان القذافي لم يبلغ الثلاثين مع ما يرافق الشباب من أحلام طوباوية مضافة الى انعدام التجربة و تأثر ساذج بخطب الزعيم المصري جمال عبد الناصر رحمه الله حاله كحال أغلب الشباب العربي في جيلنا نحن لكن العقيد الليبي الشاب لم يكتف بحلم المراهقة الذي اعترانا كلنا بل بدأ يجمع حوله زملاؤه الضباط حتى أنشأ نواة لما يشبه الضباط الأحرار في مصر و كما نعلم فصباح الفاتح من سبتمبر 69 تحرك هؤلاء بالشعارات و الدبابات للإنقلاب على الملك الذي كان يتعالج في نفس مصر! أعتقد أن نبذة تاريخية ضرورية لفك طلاسم ما جرى و ما يجري حتى اليوم في ليبيا لأن حلقة أحداث اليوم ليست سوى نتائج طبيعية لسلسلة من التقلبات السياسية و العلاقات الدولية مهدت لها و أنا بطبيعة معايشتي لأحداث ليبيا و ارتباطها الحميم بوطني تونس و اهتمامي الشخصي بالتاريخ و لقائي الشخصي بالعقيد عام 82 كتب لي الله تعالى أن أكون شاهدا حيا على حلقات مفيدة و هامة من تاريخ ليبيا الحديث و أتذكر يوم التقينا برئيس الحكومة الليبية الأسبق مصطفى بن حليم في منفانا الفرنسي ذات يوم من أواخر الثمانينات أنا و رفيق الكفاح والمنافي محمد مزالي رئيس حكومة تونس وهما من نفس الجيل و روى لنا ذلك السياسي الليبي المتميز بعض النوادر منها ما ظللنا نتندر به سنوات وهو ما حكاه لنا عن يوم كان هو مع الملك في بيته (لا نقول قصره لأنه حوش ليبي متواضع و مؤثث بتقشف) قال بن حليم بينما كنت مع الملك إذ سمعنا هتافات عدد قليل من الطلاب يحتجون على بطء جلاء قاعدة أمريكية عن ليبيا كما وعد الملك و خرجت أنا الى الشرفة (الدريشة) أستطلع الأمر و سمعت بعض ما يهتف به المتظاهرون و طبعا قام الحرس الملكي بإبعادهم دون إيقاف أحد منهم لأن الملك قال أمامي لرئيس الحرس عبد الله الترهوني: “دعهم يعودون لجامعتهم إن الوالد لا يعاقب أولاده المشاغبين” لكن الملك الصالح طلب مني أن أعيد على مسامعه شعارات الطلاب فاعتذرت للملك بأدب قائلا له: “أستحي جلالة الملك فاعفني من إعادة ما هتفوا به” لكن إدريس أصر و استحلفني بالله فقلت له: “يقولون أكرمك الله إبليس و لا إدريس!!” فإذا بالملك يبتسم ثم يضحك و يرد علي رافعا يديه بالدعاء: “يا رب أعطهم إبليس
عوض إدريس..!” و ضحكت معه و أنا مستح من هذا الموقف. و حين قص علينا مصطفى بن حليم هذه الدرة بعد عقود كان رد مزالي: “عجبا فقد استجاب الله لدعاء الملك و أعطاهم إبليس..” نعود إلى أحداث محطة 22 أبريل 2021 حين منعت القوات العسكرية الموالية للمتمرد خليفة حفتر أعضاء الحكومة الوطنية المنتخبة من دخول (سرت) بعد أن اعتقدنا أن حفتر و فائز السراج إستجابا للوفاق الوطني الجديد و أعلنا الولاء للحكومة التي باركها مجلس الأمن و كل القوى العظمى و دول الأجوار من أجل طي صفحة الماضي الأسود و عودة الوحدة المنشودة بين طرابلس و بنغازي فإذا بالليبيين و العالم من ورائهم يباغتون برفع السلاح ضد من انتخبوا لحمل الأمانة بأيدي نفس حفتر الذي ثبت أنه يمهد الحكم لابنه صدام حفتر ضاربا بجهود سنة صعبة من المؤتمرات السلمية واللقاءات الأخوية في عواصم عديدة من العالم و انبلاج عهد جديد من سلام كان مفقودا لعقود بل كانت البؤرة الليبية تهدد أمن البحر الأبيض المتوسط حين تحولت ليبيا إلى ساحة تقاتل بين فرقاء عالميين و جهويين من خلال ميليشياتهم المرتزقة المتمعشة من خراب ليبيا. أخر التحديات أمام الشعب الليبي هي أن يعزل المتمردين و يصادر أسلحتهم و يطرد مرتزقتهم إما بالمفاوضات التي يرعاها مجلس الأمن عراب السلام الأهلي في ليبيا أو إذا لا قدر الله استعصى الحل السلمي فإن كل قوى الأمم المتحدة بقرارات مجلس الأمن و الناتو و الإتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي مستعدة أن تتدخل لتنفيذ قرارات وقعت عليها هذه الأطراف الدولية جميعا حفاظا على الأمن الاقليمي و الدولي و رحمة بالشعب الليبي الذي لم يعد يتحمل!