أحمد القديدي يكتب لكم: العبرة التاريخية من الحرب على غزة بعد أسابيع

كتب: د.أحمد القديدي

الحرب المسعورة التي شنتها  إسرائيل على المدنيين والأطفال والأبرياء في قطاع غزة ألهمتني جملة من الخواطر، أقصد العدوان الأخير لأن غزة تعيش على العدوان تلو العدوان و على الحصار تلو الحصار منذ عقدين من الزمن وظلت هذه الخواطر تجول بفكري لترسخ لدي حقيقة تاريخية وهي أن ملوك العرب في حرب 1948 كانوا يرسلون المتطوعين والسلاح إلى فلسطين أما أغلب جمهوريات اليوم فإما ترسل الدواء والبطاطين والخيام وإما تكتفي بالبيانات (المنددة!) أو تدعو لاجتماع الجامعة العربية أو مجلس الأمن!
هذا إذا اقتصر دورهم على الفرجة أما القلة القليلة فهي تحاصر غزة بل وتصنف المقاومين من أبناء فلسطين “منظمة إرهابية !” سبحان مغير العرب من جيل الفداء إلى جيل العزاء مرورا بجيل البلاء! و إحقاقا للحق ما عدا الموقف القطري البطل وهو حق يجب أن يقال و ينوه به مثلا من أمثلة التمسك بالحق و القانون الدولي وهو الموقف الذي لم يحد عن حقوق الشعب الفلسطيني المعترف بها أمميا و الوقوف الى جانب غزة بكل الإمكانات وفي هذا الموقف القطري الثابت درس و عبرة لأن النصر الدبلوماسي جاء يتوج السياسة القطرية و أمير دولتها حفظه الله. مع العلم أن الحياة السياسية لا تختلف عن فصول العام فيرى المؤمن فيها ما سماه سبحانه التدافع لأن الله خلق الشعوب والقبائل وألهم نفوس الناس فجورها وتقواها وجعل دورات القرى أي الحضارات مثل دورات الفصول فانظر من حولك شعب فلسطين وهو اليوم يمر بمحنة أخرى تحت قنابل الصهاينة في غزة البطلة لتدرك أنه عاش خريف التهجير والشتات منذ سنة 1947 بإرادة جائرة من دول أوروبية سبق أن ذبحت اليهود وأبادتهم وأراد حكامها بعد دحر النازية أن يكفروا عن ذنوب أوروبا المسيحية فأعطوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون وأنشأ الغرب المسيحي كياناً عبرياً مزروعاً في جسد إسلامي ومسيحي قديم لم يتنكر يوماً للطائفة اليهودية ولم يضطهدها بل حماها كما وقع في التاريخ مرتين الأولى حين لوحق اليهود والمسلمون معاً في الأندلس على أيدي نفس المسيحيين المتطرفين وأُحرقوا في محاكم التفتيش والثانية حين أبيد اليهود على أيدي هتلر النازي فوجد الناجون من اليهود خلال المحنتين ملجأهم الأمين لدى المسلمين و في عقر ديار الخلافة العثمانية وولاياتها المسلمة.
كان شتاء أبناء فلسطين قاسياً سنة 1947 و1948 حين حل شعب دخيل مكان شعب أصيل وأتذكر شخصياً أنني حين انتُخبت رئيساً للمؤتمر الدولي للاتحاد العالمي للبرلمانات في خريف 1982 (نفس خريف العدوان على بيروت وإخراج المناضلين الفلسطينيين منها نحو قبرص ثم نحو تونس) وكان مؤتمرنا منعقداً بمقر البرلمان الإيطالي بروما وكانت الجلسة مخصصة بإلحاح البرلمانيين العرب للنظر في شؤون الشرق الأوسط ألقيت خطاباً في كل الوفود المشاركة ومنها الوفد الإسرائيلي ووفد منظمة التحرير بصفة ملاحظ ووفود بريطانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية وكنت من قبل خطابي توجهت إلى سكرتيرة المؤتمر وأخذت منها السير الذاتية للوفدين الإسرائيلي والفلسطيني (ومن بينهم المناضل خالد الحسن رحمة الله عليه) وبدأت خطابي بالقول للبرلمانيين الحاضرين: “نريدكم أن تفهموا سر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولكي تفهموا هذا السر سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الإسرائيلي؟ شالوم ولد في بروكلين وحاييم ولد في فيانا وديفد ولد في اليمن وإيزاك ولد في ميلانو… كما سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الفلسطيني فخالد الحسن ولد في حيفا وكمال في الناصرة وناصر في القدس وجمال في نابلس…
هذه حقيقة مأساة فلسطين يهود قادمون من مدن العالم لا علاقة لهم بفلسطين وفلسطينيون من أرحام أرض فلسطين ولدوا فيها ونشأوا بين زيتونها وكرومها وهجروا منها فهم اليوم في تونس وعمان وبيروت وباريس ونيويورك سيرجعون بعد المؤتمر إلى مهاجرهم بينما اليهود الذين جاءوا من أصقاع الأرض واغتصبوا فلسطين سيعودون بعد مؤتمرنا إلى فلسطين. وأقسم لكم اليوم بعد مرور أكثر من ثلث قرن على هذا الخطاب الذي ألهمنيه الله سبحانه لا أزال أتذكر باعتزاز كيف صفق لي وقوفاً جل أعضاء الوفد الأمريكي والألماني والفرنسي وكيف صرخ الإسرائيليون غضباً وتنديداً. أشد على أيدي المناضل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس سابقا على تغيير لغة الخطاب المتوجه للرأي العام الغربي والذي بثته بالمباشر قنوات أوروبية و حتى أمريكية فقد قال خالد بأن حماس لم تستهدف سوى جنود العدو المهاجمين بينما يقتل الصهاينة مئات الأطفال والنساء والشيوخ ويقصفون المستشفيات وبيوت الله وهو ما سماه مشعل (الانتصار الأخلاقي على جيش تساحال) وهو أيضاً ما دعا السيدة (نافي بيلاي) رئيسة مفوضية حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة إلى التصريح بقوة ومن على منبر الأمم المتحدة بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في العدوان المستمر على المدنيين في قطاع غزة. لعل بعض قرائي الأفاضل يردون عليّ قائلين: وماذا يفيد غزة من هذه التصريحات ما دامت إسرائيل لا تقيم وزناً لا للأمم المتحدة ولا بالطبع لخطب العرب ولا تعتمد سوى على منطق القوة والتفوق منذ…. سبعين عاماً؟
هذا صحيح ولكن المقاومة الفلسطينية وخاصة التي اعتمدت على قوة العقيدة نجحت في قلب الموازين التقليدية القديمة والعقيمة أولا بالاعتبار والبصيرة وقراءة أخطاء الماضي في الحراك العسكري والدبلوماسي وثانياً بتطوير تقنيات السلاح الرادع. ويكفي أن نذكر فقط إيقاف شركات الطيران الأوروبية والآسيوية وحتى الأمريكية رحلاتها إلى مطارات إسرائيل على مدى ثلاثة أسابيع وما ينجر عن ذلك من خسائر اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية لإسرائيل وهو ما حرك لوبيات إسرائيلية لتعود بمراجعة مواقفها لا محبة في الفلسطينيين بل خوفاً على إسرائيل قناعة من هذه اللوبيات بأن سياسات التهور ورفض حل الدولتين لو يتواصل وستصبح دولة إسرائيل عبئاً ثقيلاً على الإدارة الأمريكية الحاضنة لهذه الدولة والضامنة لبقائها وتفوقها بعد أن حل بايدن محل ترامب ولعلمكم فإن آلاف اليهود شاركوا في مدن أوروبية وأمريكية في مظاهرات التنديد بالقمع والقتل ومخططات الإبادة الممنهجة التي كما يقول هؤلاء اليهود تشكل وصمة عار على جبين الدين اليهودي وتشكل الخطر القادم على أمن الدولة العبرية وعلى السلام العالمي.