أحمد القديدي يكتب لكم: المنعرجان التاريخيان في مظلمة القرنين!

كتب: د.أحمد القديدي
نعيش اليوم وخاصة جيلي الذي تربى على قيم الحقوق الفلسطينية وعلى وقع المظلمة التاريخية المسلطة بالقوة الغاشمة على شعب عربي كما تربى على ملاحم المقاومة لكل مستعمر و محتل في الجزائر و في إفريقيا و في فيتنام ثم في البوسنة و الهرسك، وعاش جيلي أيضا على أصداء هزيمة الاستعمار الفرنسي في الجزائر البطلة و هزيمة الأمبراطورية الأمريكية في فيتنام العظيم ثم هروب جنود الامبراطورية السوفياتية في أفغانستان أمام أحرارها و بالتوازي شهد جيلي انكسار جيوش روسيا على صخرة الكفاح الشيشاني المسلم هذه الملاحم البطولية التي عشتها مع جيلي أكدت لنا أن إرادة الشعوب في التحرر و الاستقلال هي من إرادة رب العالمين و لا مرد لقضاء الله سبحانه.
يشهد هذه الأيام جيلي انتصار شعب فلسطين بدماء شهدائه من الأبطال و الأطفال و الحرائر على نفس الطريق المستقيم الوحيد المؤدي الى النصر وهو طريق المقاومة التي يسندها القانون الدولي و تؤيدها قوة ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن حتى لو سقطت بالفيتو الأمريكي و حتى لو لم يعترف بها النظام اليميني العنصري المتطرف في إسرائيل و حتى لو جاءت أربعة أعوام عهدة ترامب ببدع عجيبة تعوض القانون الدولي الإملاءات الأمريكية!
هذا هو قدر المقاومة في كل مكان من العالم: تضحيات وفداء و صبر و إيمان في عز المحنة بالنصر وهكذا كان وسيكون بإذن الله مصير المقاومة الفلسطينية. نحن مع القضية الأم اليوم في منعرجين: المنعرج الأول هو أنه لأول مرة منذ ثلاثة عقود يتحد كل أبناء الشعب الفلسطيني على كلمة سواء من الغزاويين المحاصرين و الموصومين بالإرهاب ظلما و من أبناء الضفة الغربية المناضلين و من أبناء ما يسمى بـ فلسطينيي 48 و المنطقة الخضراء تمويها لأن العنصرية الصهيونية حولتها الى منطقة حمراء بدماء ضحايا القمع و التمييز العنصري (و إيقافات الشباب الفلسطيني داخل خط 48 يوم الاثنين الماضي أكدت أن الاحتلال إستعمار) و أيضا كل أبناء الشتات الفلسطيني في كل قارات العالم وهم من نخبة الشعوب المقيمة في المهاجر. الوحدة الفلسطينية تحققت وهي المكسب الأول و المنعرج الأكبر في مسار القضية و من هنا فصاعدا سيواجه المستعمر المحتل شعبا موحد الفصائل مقر العزم على استعادة حقوقه المشروعة و سوف لن يلعب الاحتلال على انقساماته العابرة. أما المنعرج الحاسم الثاني فهو التغيير العميق الذي حصل في وعي المجتمع الدولي بحقيقة الاحتلال الإسرائيلي و حقيقة المقاومة الفلسطينية فقد تحركت مظاهرات عارمة لا في مدن العالم العربي و الاسلامي فقط بل في الولايات المتحدة وكافة مدن الإتحاد الأوروبي و اليابان و الصين و أستراليا و أغلب عواصم إفريقيا وأمريكا اللاتينية و بدأ الواعون من السياسيين الإسرائيليين يقرأون حسابا للتغيير العميق الحاصل لدى شرائح واسعة من الرأي العام العالمي في تقييمه لملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لأن الصور القادمة من أنقاض المباني المقصوفة صدمت المخيال العام للشعوب بمشاهد أشلاء الأطفال و ارتسمت حركات شعبية في كل القارات تطالب دولها بمواقف أكثر عدلا و تفهما للقانون الدولي وعلى المستوى الأميركى وهو المؤثر الأكبر في مجرى الأحداث ورغم الموقف الدائم المؤيد لإسرائيل بشعار قديم وهو “حقها في الدفاع عن نفسها”! لكن ثلاثة اتصالات هاتفية بين الرئيس بايدن ونتنياهو يدل على القلق الشديد لدى الإدارة الأميركية إستجابة للمسيرات الكبيرة التي خرجت لأول مره في المدن الأميركية ترفع الأعلام الفلسطينية وبروز تيار (بيرنى ساندرز) المرشح للرئاسة الأخيرة انتقاده لسياسات إسرائيل وصوت نائبة الكونغرس من أصول لاتينية (الكساندرا أوكاسا كورتيز) إلى جانب أصوات أخرى مثل (رشيدة وإلهام عمر) كلها تفرض ضغوطا على الإدارة الأميركية لتقوم بدور أكبر وأكثر فاعلية وهذا ما تم التعبير عنه في الاتصالات مع دول المنطقة والاتصال الهاتفى لأول مرة من الرئيس بايدن بالرئيس عباس وإعلان تأييدها لحل الدولتين ثم الزيارة المكوكية التي يؤديها مبعوث الرئيس بايدن الى كل العواصم المعنية بالقضية الفلسطينية. إننا إزاء منعرجين خطيرين في الصراع القديم و على العالم أن يختار بين العدل و الظلم و بين الحق والباطل. يكفي أن تقرأ افتتاحية (هآرتس) ليوم الاربعاء الماضي التي تقول: ” نحن خسرنا الحرب أمام شعب قوي مقاوم” أو أن تقرأ لائحة تقدم بها المحامون الأوروبيون لمحكمة الجنايات الدولية ضد جرائم إسرائيل أو تستمع الى وزير خارجية فرنسا يتهم إسرائيل بالتمييز العنصري أول أمس لتدرك أن الحق انتصر على الباطل.