أحمد القديدي يكتب لكم: بصيص أمل في المغرب العربي

كتب: د.أحمد القديدي

في خطاب جلالة ملك المغرب بمناسبة ذكرى الجلوس على عرش أبائه و أجداده منذ أسبوع فتح لنا العاهل محمد السادس كوة أضاءت لنا عتمة النفق الطويل المظلم خاصة بعد دعوة السفراء احتجاجا على مواقف هذه أو تلك من الدولتين….

فاستبشرنا ببصيص أمل لعله يتحول مع رد الفعل الإيجابي الجزائري إلى مشروع سلام دائم بين شعبين شقيقين طالما جمعت بينهما أواصر المقاومة المشتركة للاستعمار الغاشم و وشائج صلة الرحم و القربى والمصاهرة حينما لم تكن بين البلدين حدود….
ويعلم الله كم خسر المغرب العربي من فرص و من مكاسب بسبب حالة العداء بينهما التي بدأت منذ عام 1974 حين انجلى الاستعمار الأسباني عن الإقليم مخلفا وراءه تركة من الضبابية و الغموض حول مصير أرض هي في جنوب المملكة المغربية و على حدود الجزائر المستقلة عام 1962 و تختلف تسميات  الصحراء من (غربية) إلى (مغربية) وهي منطقة شاسعة تقع شمال غربي افريقيا ومساحتها حوالي 266 ألف كيلومتر مربع ويدير المغرب نحو 80 بالمئة منها والباقي تديره جبهة البوليساريو وتشير التقديرات إلى أن عدد السكان يبلغ حوالي نصف مليون يتوزعون على المدن الرئيسية في المنطقة التي خضعت للاستعمار الإسباني في الفترة الممتدة من 1884 إلى 1974 وبعد خروجه تنازع السيادة عليها المغرب وجبهة البوليساريو التي فاقمت من وتيرة عملياتها العسكرية وقامت بالتحريض على المظاهرات المطالبة بالاستقلال بينما اتجه المغرب وموريتانيا إلى محكمة العدل الدولية و نذكر أن ملك المغرب المرحوم الحسن الثاني أعلن تنظيم “المسيرة الخضراء” باتجاه منطقة الصحراء عام 75 وفي يناير 1976 تم الإعلان عن قيام “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” بدعم من الجزائر ثم قام المغرب بدءا من ثمانينيات القرن الماضي ببناء جدار رملي حول مدن السمارة والعيون وبوجدور لعزل المناطق الصحراوية الغنية بالفوسفات والمدن الصحراوية الأساسية وجعل هذا الجدار أهم الأراضي الصحراوية في مأمن من هجمات البوليساريو كما تعزز موقف المغرب بتخلي ليبيا منذ 1984 عن دعم البوليساريو وانشغال الجزائر بأزمتها الداخلية المعروفة بالعشرية السوداء من 90 الى 2000 و ربما نتساءل :”لماذا تدعم الجزائر البوليساريو؟ »…
تقول الجزائر إن دعمها للبوليساريو مسألة مبدأ مثل دعمها لنيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا من قبل ودعمها للقضية الفلسطينية بينما يرى بعض المراقبين أن العلاقة بين الجزائر والجبهة باتت تاريخية كما أن الجبهة أصبحت جزءا من شبكة الحلول الأمنية الجزائرية في حين يقول الضابط الجزائري السابق أنور مالك إن سبب هذا الدعم الجزائري لا يتعلق بما تعلنه الجزائر من “عدالة القضية” فقط، “بل لأن الجزائر وجدت فرصة لتصفية حسابات قديمة ومتجددة مع المغرب حيث وجدت في مرحلة سابقة منافسة على الزعامة في المغرب العربي”.
مع العلم أن منظمة الوحدة الأفريقية كانت أول من بادر للبحث عن تسوية سلمية للقضية وخاصة في مؤتمرها التاسع عشر المنعقد بأديس أبابا عام 1983. لكن انسحاب المغرب عام 1984 من المنظمة عندما اعترفت بـ”الجمهورية العربية الصحراوية” عرقل مساعيها وقد لعبت الجزائر دورا بارزا في دعم قضية استقلال الصحراء الغربية على المسرح السياسي الدولي وفي هذا الإطار جاء اعتراف منظمة الوحدة الأفريقية بالحكومة الصحراوية واستمر غياب المغرب عن المنظمة حتى عاد إلى عضوية الاتحاد الإفريقي في يوليو 2016 رغم استمرار اعتراف الاتحاد بالجبهة لكن عودة المغرب كان لها أسبابها المرتبطة بالواقع السياسي والاقتصادي للمنطقة كما أن الولايات المتحدة عبرت مرارا عن مساندتها للخطة التي طرحها المغرب لمنح الصحراء الغربية حكما ذاتيا معتبرة الخطة “واقعية وذات مصداقية.” و حدث في عهد الرئيس ترامب أن اعترفت واشنطن بمغربية الصحراء مع تعبير المغرب عن نوايا التطبيع مع إسرائيل وهو ما عمق الخلاف و أضاف إليه أبعادا أيديولوجية و توارت الخطة المغربية لعام 2008 والتي تمنح الصحراء بموجبها قدرا كبيرا من الحكم الذاتي ولكن مع الاحتفاظ برموز السيادة المغربية كالعلم والنشيد الوطني والعملة المغربية و عوض أن نرى بداية حل سلمي للقضية شهدنا تصعيدا منذ سنة تمثل في عودة بعض الإشتباكات على الحدود رأت فيه الرباط تهديدا لأمنها ومصالحها و رفعت واشنطن يدها كما يئست منظمة الأمم المتحدة من الوساطة التي دشنتها لجنة (جيمس بيكر) منذ الثمانينات. و لعل أقرب الأفكار للمنطق اليوم هو أن تتوسط الجارة تونس و تفعل دبلوماسيتها النشيطة من أجل إنقاذ كامل أقليم المغرب العربي من صراع لا يجدي بين شقيقتين كبد كل بلدانه الخمسة خسائر اقتصادية و سياسية لا تحصى و سبق أن توسط الزعيم بورقيبة بين المغرب و موريتانيا في الستينات و نجحت وساطة تونس أنذاك….
من أجل هذا قرأنا دعوة الملك محمد السادس الى فتح الحدود بين البلدين و الانكباب على ما يجمع و تأجيل ما يفرق و أذكر أنني شخصيا في مداخلة حول هذا الملف خلال ندوة أكاديمية في جامعة السربون اقترحت اجتناب مصطلحي (الصحراء المغربية) و(الصحراء الغربية) و استعمال مصطلح وفاقي هو (الصحراء المغاربية).