أحمد القديدي يكتب لكم: حول الذكرى العشرين للحادي عشر من سبتمبر 2001

كتب: د.أحمد القديدي

بمناسبة الذكرى العشرين للحادي عشر من سبتمبر 2001 التي قلبت موازين العلاقات الدولية وجرت على أمريكا و الشرق الأوسط حربين شبه عالميتين على العراق و أفغانستان وهما اليوم بعد عقدين من الزمن يضمدان جراحا عميقة كما تضمد الولايات المتحدة و حلفاؤها نفس الجراح و تعيد حساباتها وإعادة توزيع قواتها و مناطق حضورها….

فكرت في تقديم حديث مفيد جدا للقراء الأكارم ينفع هذه الأيام أجريته مع صديقي (ليندن لاروش) المرشح الأسبق للرئاسيات الأمريكية ورجل الإقتصاد مؤلف عشر كتب في الٌاقتصاد الأمريكي و العالمي وهو نصير القضية الفلسطينية والحقوق العربية من خلال مجلته السياسية الراقية (اكزيكيتيف إنتيليجنس ريفيو) التي نشرت بعض مقالاتي….
وأعرض هنا  أبرز فقرات الحديث الذي أجريته على ضفاف نهر الراين بألمانيا مع المرشح السابق للانتخابات الرئاسية الأميركية وعالم الاقتصاد المعروف ليندن لاروش، في سبتمبر 2002 الذكرى الأولى للعدوان الارهابي على نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001.
قال لي لاروش: «ان الولايات المتحدة الأميركية تعيش أخطر أزمة وأعمق كسر منذ نهاية حرب فيتنام.. فحرب فيتنام وجدت كذلك هي الاخرى نفس الصقور ودعاة الخراب الذين برروها للشعب الأميركي بتعلات ضرورة انقاذ جنوب شرقي آسيا من المد الشيوعي وكانوا كذلك قسموا العالم الى محور الخير الديمقراطي الليبرالي ومحور الشر الشمولي الشيوعي.. وقد كلفت هذه النظريات الطوباوية الشعبوية الشعب الأميركي غالياً..
واليوم بعد 11 سبتمبر 2001 نفس النظريات لنفس المصالح تكرر التعلات لإعلان الحرب على العراق واطلاق يد شارون فيما تبقى من أرض وشعب فلسطين كأنما مقاومة الارهاب هي دين أميركا الجديد او المبتدع بينما الارهاب في الحقيقة ظاهرة هلامية غير محددة بدين او بدولة او بحضارة.. وهو نتيجة تراكم أخطاء في حسابات الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وما فرضته على بقية العالم من نهج (بريتون وودز) وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي واليوم بنهج العولمة الجائرة وإيقاف التضامن الدولي الحقيقي وضرب المجتمعات المدنية وإلغاء القانون الدولي لتعويضه بقانون الغاب وإذكاء الصراعات القومية والطائفية والجهوية ثم إعلان صراع حضارات!

يغلّف نوايا الهيمنة والطاغوت بقناع الاختلاف الحضاري والثقافي بين ما يسمى الغرب وما يقابله من عالم إسلامي وعالم كنفوشي «نسبة لكنفوشيوس أي الصين تحديدا» والحلول التي ما فتئت أدعو إليها ومنذ أربعين عاما هي حلول التضامن الحقيقي والفعال بين دول أمم حرة وذات سيادة من اجل التقدم والسلام مثل العودة الى طريق الحرير الذي كان يربط بين اوروبا واسيا وافريقيا. فالتضامن الإنساني يمر عبر حوار الثقافات والأديان واعتبار ما يجري في قارة اخرى يهمك شخصيا في النهاية.. مثل قضية وباء الايدز التي نبهت اليها في مطلع الثمانينيات محذرا الدول الغنية ـ في ذلك الزمن المبكر ـ من ان مرض الايدز الذي لم يكن وباء آنذاك سيصبح فاجعة العصر لان الفيروس لا يعرف الحدود ولا يقف عند الجمارك وناديت بحملة تضامنية احترازية ولكن لا حياة لمن تنادي حتى استفحل الخطب واصبح ضحايا الوباء في كل دول العالم يعدون بعشرات الملايين وقس على ذلك معضلات البيئة ونقص الغذاء وشح الادوية وتناقص المياه.. والفجوة المتعمقة باستمرار بين الفقراء والأغنياء..
وهذه الفجوة هي التي اقترحنا لها حلولا تنموية وصناعية.. واقترح لها أعداؤنا امثال (ماك كايسن) و(جوزف ليبرمان) و(صمويل هنتنجتون) حلولا اخرى تتمثل في إعلان الولايات المتحدة الحرب الشاملة ضد الشعوب التي تسميها هي «مارقة» اي في الحقيقة رافضة للانتحار البطيء.. وذلك ما جرى في أفغانستان وقبله في فيتنام وقبله في اليابان حيث دمرت مدينتان بالقنابل النووية ونفس المنطق الاجرامي الحربي يجر اليوم الولايات المتحدة لحرب ضد العراق وربما ضد امم اخرى حسب مخطط أصبح مع الأسف يضعه (ارييل شارون) لما يعتقد أنه يخدم اسرائيل…
واستمع اليوم الى أصوات ترتفع ضد حرب العراق من (كيسنجر) نفسه ومن (كولن باول) ومن (شوارسكوف) بالاضافة الى تنامي شعور الخوف من هذه المغامرة الذي حشد الاتحاد الأوروبي كله تقريبا بزعامة (شرويدر) و(شيراك) وجانب هام من الطبقة السياسية البريطانية الموالية تقليديا للولايات المتحدة.. أما المحيطون بالرئيس (دبليو بوش) من جناح العسكريين والمتمعشين من الصناعة الحربية والمضاربة بالاسواق فهم بالطبع يدفعون في اتجاه الحرب من أجل ما يسمونه: (الاحتواء)  وهي عقيدة وزير الخارجية الاسبق جون فوستر دالاس.. عوض الاقرار بعجز الولايات المتحدة عن أن تصبح قوة ثقافية واخلاقية للجم وترشيد قوتها العسكرية والتكنولوجية وما بين الحمائم والصقور يظل الرأي العام الأميركي ـ والغربي عموما ـ متأرجحا يعاني من عملية التلاعب بالعقول التي تتقنها اجهزة الاعلام التابعة لهذه اللوبيات المؤثرة والمنادية بالحرب. والامل معقود ـ كما يؤكد ليندن لاروش ـ على التغيير الحاصل في صلب الرأي العام الأميركي فقد تحركت مجلة «تايم» لتقول في الأسبوع الماضي بأن حال افغانستان اليوم هو اسوأ مما كان عليه قبل الحرب الاميركية «للقضاء على الارهاب..»