أحمد القديدي يكتب لكم: ذكرياتي مع قناة الجزيرة بعد ربع قرن

jazira-tv

كتب: د.أحمد القديدي    

حين شاهدت حفل قناة الجزيرة ورأيت وجه حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة متألقا متهللا بابتسامة الرضا والفخر بما كان هو حفظه الله أسسه عام 1996 ورعاه حتى أثمر ونما وتولى من بعده حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد سقاية الغرس المبارك…

حلم يتحقق

أيقنت ساعتها أن هذه القناة التي كانت فكرة وحلما ما تزال حية وقوية رغم ما قدمته من شهداء الحرية ومساجين الرأي و يزداد اعتزازي بها حين أعيد في خيالي ذكريات الأيام الأولى من تأسيسها في نوفمبر 1996 وكنت أنا أستاذ الإعلام في جامعة قطر منفيا مطاردا من وطني تلاحقني أنتربول (في عهد الإستبداد..)، مرّ في ذاكرتي كالمسلسل التاريخي شريط الأسابيع الأولى للقناة ووفادة أفضل الإعلاميين من لندن بعد إغلاق ‘البي بي سي’ بالعربي وجهود الصديقين القطريين الذين كانوا من الرواد محمد جاسم العلي و أبو عبد العزيز محمود السهيلي حيث أدار الأول خطوات البداية ومسك الثاني الجانب المالي و الإداري ثم استوت (علبة الكبريت…كما سماها المرحوم محمد حسني مبارك) إلى أن كبرت وتوّسعت شبكتها وتغلبت على صعوبات سياسية و مزاجية عديدة…

هدية قطر للعالم

وقد جمع صاحب السمو الأمير الوالد هذه المعاني فأثار سموه تفاعلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي بعد كلمته التي أطلقها بمناسبة احتفالية قناة “الجزيرة” بذكرى انطلاقتها الخامسة والعشرين في مقرها في الدوحة، حيث شدّد الأمير الوالد على أن افتتاح قناة “الجزيرة” يعد هدية قطر للعالم لتكون منبراً للجميع وصوت الجماهير مؤكدا أن بلاده لم تخضع للضغوط والمساومات لغلقها لالتزامها بمنبر حر للعرب يكون صوت من لا صوت له…
وقال سموه إن “قطر كانت على إدراك تام منذ البداية أن هذا المشروع الإعلامي سيواجه عقبات كبرى وأن خط تحرير الجزيرة سيكون تحدياً إعلاميا ومكسبا للحقوق العربية، مشددا على أن انطلاق هذا المشروع لم يكن ممكناً دون رصد موارد مالية وجلب كوادر مدربة ومجربة من أفضل الكفاءات وأكد أن “التحدي الأكبر عند انطلاق الجزيرة كان بناء نموذج إعلامي رائد حيث لم تعرف المنطقة له مثيلاً حتى أصبحت منبر كل العرب ونافذتهم على العالم…كاشفا أن نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر حفظه الله عبّر عن عزيمة لا تتزعزع لاستمرار شبكة الجزيرة منبراً حراً تخدم المشاهد في كل مكان وأضاف أن “أمير قطر رفض بحسم أن تكون الجزيرة موضع مساومة أو إملاء خارجي لأي ظرف من الظروف”…
مشددا على أن “دعم الجزيرة ليس انحيازاً لرأي معين ولا دفاعا عن وجهة نظر محددة بل هو التزام بمبدأ الرأي والرأي الحر وترحيباً بوجهات النظر الأخرى” و هنا لا بد من لمحة تاريخية ضرورية حيث انطلقت الجزيرة في الأول من نوفمبر عام 1996 وقدمت للعالم العربي مفهوماً جديداً للإعلام القريب من الشعوب وقضاياها إذ مكنت العرب لأول مرة من خلق منافس حقيقي لقنوات عالمية مثل “بي بي سي” و”سي إن إن” و حين أُنشئت قناة الجزيرة في عام 1996 أتت بمواهب و كفاءات في مجال الإعلام من الفرع العربي للقناة  البريطانية (محمد كريشان جميل عازر جمال ريان ليلى الشايب خديجة بن قنة سامي حداد أحمد الشولي و غيرهم).

الرأي والرأي الآخر…

بدأت الجزيرة تشتهر شيئًا فشيئًا من خلال اعتمادها على مبدأ الرأي والرأي الآخر ثم طوّرت من نفسها في وقت لاحق حيث حاولت كسر تقاليد الإعلام العربي وذلك بسبب ما اعتبرته سيطرة العديد من البلدان العربية على معظم أشكال الصحف والتلفزيون والصحافة، كما أنّ هناك نقصا في الصحافة الحرة المتاحة فترى قناة الجزيرة أن بعض الخيارات العربية لم تحترم حريات مواطنيها واعتمدت على أبواق استخدمتها الأنظمة أو الجماعات المتطرفة في الوصول لهدفها.
سعى أمير قطر إلى كسر هذه التقاليد كما تبنّى أفكارا تقدمية من خلال توسيع المشاركة السياسية والسماح بعمل الصحافة المستقلة. وبالمثل فإنّ مؤسسي مجموعة الجزيرة عملوا على مواجهة الهيمنة الغربية على وجهة النظر والثقافة العربية طوال القرن الـ 20. في تلك الفترة كانت هناك سيطرة شبه تامّة لقناتي (بي بي سي) و (سي ان ان)  على نقل أخبار العرب ولم تكن تُناقش القضية العربية إلا من وجهة نظر غربية. يُعد (وليام لافي يومانس) أول من استخدم هذا المصطلح من خلال كتاب له بعنوان “تأثير الجزيرة: كيفَ تُعيد وسائل الإعلام الجديدة تشكيل السياسة العالمية” والذي صدر سنة 2008. ومع ذلك فقد استخدمَ (سايمون هندرسون) بدوره مصطلح “الدبلوماسيين في المنطقة” في وقت مبكر من عام 2000. 

تفوق وتوسيع التأثير

كَرّر هندرسون استخدام مصطلح تأثير الجزيرة وأكد على أنّها نجحت فعليًا في التأثير على سياسات الشرق الأوسط التي تعتمد -أو كانت تعتمد- على احتكار المعلومات. زادت شعبية الجزيرة بسبب سهولة الوصول لها من خلال التلفزيون الفضائي أو شبكة الإعلام واستخدمَ (توماس ماكفيل) المصطلح في سياق آخر حيث أشارَ إلى التغييرات التي طرأت على وسائل الإعلام العربي وأثرت قناة الجزيرة على الحكومات العربية كما كانت تفعل قناة سي إن إن في الدول الغربية. يرى بعضُ المحللين أن تأثير قناة الجزيرة يمكن أن يُوازي تأثير سي إن إن حيث تعتمد القناتان على تغطية الأحداث الدولية من خلال إبراز وجهة نظر الحكومة والمُعارضة في الوقت ذاته. هناك فرق بين ما قامت به قناة سي إن إن وما اعتمدت عليه قناة الجزيرة فهذه الأخيرة وسّعت من نفوذها من خلال الاعتماد على أحدث وسائل الإعلام مثل صحافة المواطن، مدونات الرأي، راديو الإنترنت والبث الفضائي على عكسِ السي إن إن التي اعتمدت على الوسائل التقليدية لا غير.
حسب الجزيرة فهي ترغب من خلال إعلامها الجديد في إعطاء الصوت لمن لا صوت له هذا ناهيك عن الحديث عن الفئات المهمشة التي تفتقر إلى وسائل الإعلام الخاصة بها.