أحمد القديدي يكتب لكم: عندما كنت عميلا للمخابرات الأمريكية!

U.S. Central Intelligence Agency

كتب: د. أحمد القديدي

إفتح التليفزيونات العربية على أية قناة واستمع الى أي برنامج حواري حول أي موضوع في السياسة العربية وتوقع عمق الصدمة التي تهزك هزاً عنيفا حين يحسم احد المتكلمين القضية مع محاوره بعبارة: «أنت عميل للمخابرات المركزية الأمريكية أو طبعا عميل الموساد»….
وينتهي الحوار ليبدأ الخوار «من الخور» وينتهي السلام ليبدأ الخصام وتنتهي الكلمات لتبدأ اللكمات.. غريب أمرنا نحن العرب! لماذا لا نتحاور دون أن نتشاتم؟ وإني احفظ في ذاكرتي وفي مذكراتي بآلاف من هذه الأخلاق المنحطة التي تقذف بالعمالة للمخابرات الأمريكية أو للموساد كل من لا يروق للمحاور المتأدلج «أي المشبع بالايديولوجية» أو كل من يستعمل عقله عوض عاطفته لمقاربة ملف من الملفات العربية وبشكل مختلف…

لعنة الديمقراطية!

والرمي بالعمالة للمخابرات أصبح اليوم من نصيب كل مثقف عربي اصلاحي أو ديمقراطي أو تطوري «من سنة التطور الطبيعي للمجتمعات» لأن الإدارة الأمريكية الراهنة و التي قبلها نظريا على الأقل هي التي تنادي بالإصلاحات الديمقراطية، وما دامت هي التي تدعو للديمقراطية فاللعنة على الديمقراطية والذين خلقوا الديمقراطية فقط لأنها من أصول أمريكية!
هذا بكل بساطة منطق مقلوب وعقل مسلوب وانا سأروي بعض النوادر التي عايشتها منذ بعض العقود لأبرهن لكم على أن الداء قديم والخطب عظيم، حين كنت في مطلع الشباب وانتقلت من مدينتي الصغيرة القيروان الى تونس العاصمة، بدأت أعمل صحفياً صغيراً في صحيفة العمل لسان الحزب الدستوري وفي أوقات الراحة أجلس في مقهى «باناليكس» المجاور للكاتدرائية في شارع بورقيبة (لا أدري هل ما زال هذا المقهى أم أزيل؟) مع شباب الأدب والصحافة الطيبين من جيلي نتطارح في ذلك الزمن قضية حرب الفيتنام الجائرة وانحياز بورقيبة لأمريكا ضد إرادة الجماهير وقضية المثقفين المغضوب عليهم في الاتحاد السوفييتي أمثال الكسندر سوليجنتسين وساخاروف وحتى شارانسكي الذي اصبح بعد ذلك وزيرا ليكوديا في حكومة شارون!

عميل للمخابرات الأمريكية!

وذات يوم من أيام ذلك العهد اتصل بي السيد أحمد قطب وهو أمريكي الجنسية فلسطيني الأصل ومدير للمركز الثقافي الأمريكي بتونس، أتاح لنا مطالعة أروع الكتب الأمريكية لفولكنر وآرثر ميللر وتينيسي وليامز وارنست همنغواي وريتشارد رايت مع مشاهدة أشهر الأفلام السينمائية الأمريكية دون دفع تذكرة سينما لأننا بكل بساطة لا نملك إلا ما يسد الرمق براتبنا الهزيل! وأعترف بفضل هذا الموظف الكريم وبفضل ذلك المركز في وضع أيدينا نحن الشباب على درر الفكر الأمريكي والثقافة الامريكية التي كانت كثيراً ما تأخذ مواقف مناهضة للسياسات الأمريكية! وذات يوم عرض علي السيد احمد قطب ان أقوم باجراء لقاء مع فضيلة الشيخ كمال التارزي مدير الشؤون الدينية بالوزارة الأولى في ذلك التاريخ لاذاعة صوت امريكا بالعربية حول مناسك الحج وعدد التوانسة الحجيج، وهي حقائق منشورة على كل الصحف و ليست أسرار دولة!
وأذاعت الإذاعة لقائي مع الشيخ ضمن برنامج مطول شمل كل البلدان العربية من المحيط الى الخليج، وتقاضيت من الإذاعة مبلغ 10 دنانير تونسية «ما يعادل بالضبط 10 دولارات لا غير» أنفقتها على شراء حذاء جديد بعد أن بليت الجزمة الوحيدة التي أحفظ فيها رجلي، وفي صباح الغد قصدت المقهى لمؤانسة الخلان من أترابي كالعادة وأغلبهم جاء مثلي من قرى تونس إلى العاصمة، فما راعني إلا والوجوه متجهمة وبعضهم قام لينصرف والبعض الآخر أبى حتى أن يصافحني فظننت بأن الأمر مزحة من نوع الكاميرا الخفية، واستجرت بأحد الأوفياء منهم استطلع سر هذا الجفاء الطارئ فأسر لي الصديق بما لم أتوقعه أبدا قائلاً لي: يبدو يا أحمد ان المعلومات لدى الجماعة تفيد بأنك أصبحت عونا من اعوان (السي آي إيه!)
قلت: وكيف وأنا لا أعلم بندبي في هذه المركزية المخابراتية؟ فقال لي الأخ: لقد سمعك فلان وفلان في اذاعة صوت امريكا تتحدث عن موسم الحج! أليس من العمالة أن تشارك في دعم الامبريالية الأمريكية والمخططات المعادية لشعوب العالم الثالث وضرب التقدمية العربية!»

الصديق الساذج

ولا اخفيكم بعد عقود من الزمن أن تلك كانت شعارات السبعينيات، لأن الصديق الساذج كان في غاية الجدية وهو يسوق لي هذه التهم التي لم افقه معانيها وهي ذاتها التي ساقت مئات المثقفين العرب الى الاعدامات والسجون والمنافي، سامح الله الجميع وغفر لهم ولنا.. وأعترف لدى القراء الكرام اليوم بأنني لاقيت اقسى الشدائد في اقناع الزملاء بأني ورب الكعبة لا أعرف من المخابرات إلا الاسم بل لا افقه حتى ماذا تصنع المخابرات لا في أمريكا ولا في سواها الى يوم الناس هذا، وأنا اتذكر هذه النوادر للشباب العربي الصاعد حتى لا تغرنه الشعارات الزائفة المرفوعة ضد هذا أو ذاك من السلطة أو المثقفين التهم الجاهزة والمظالم الجائرة!