أحمد القديدي يكتب لكم/ كتاب الاغتراب للدكتورة فاطمة السويدي: قراءة بعيون العصر

كتب: د. أحمد القديدي
من المنجزات القطرية التي تثلج الصدر إستمرار الحياة الثقافية طبعا بحذر وتؤدة حتى لا يغتنم الفيروس تجمعات الناس ليفتك بالصحة ولكن نوادي (كتارا) المختلفة والمكتبة الوطنية و أقسام الجامعات تزخر بالمعارض و الندوات و تزدهر فيها وبشبابها نشاطات تؤكد أن الثقافة في قطر ليست ذات مواسم بل هي مجهود دؤوب متواصل الى جانب انتظار الفائزين بأكبر جائزة عالمية للترجمة (جائزة الشيخ حمد)، كما أن المدارس تعج بالعمل الثقافي.

وأثرت في هذا المقال أن أخصصه لكتاب قطري قيّم كأنه مر دون أن يلقى ما هو به جدير من العناية و النقد وهو كتاب (الاغتراب في شعر العصر الأموي) فحين أزفت ساعة الرحيل لأسرة الأمويين و جاءت ساعة الأسرة العباسية كانت لحظة عجيبة من لحظات التاريخ العربي الإسلامي بدأت فيها رحلة طويلة لزعماء الأمويين نحو ما سمته د.فاطمة السويدي الأكاديمية القطرية صحراء الإغتراب و حفلت كتب عيون التراث بقصص و مغامرات بعضهم بعد أن دارت الأيام إلى أن جاء من أحيا أمجاد الأسرة الأموية في الأندلس وهو صقر قريش الشهير الأمير عبد الرحمن الداخل الأموي الذي فر بجلده من ملاحقة العباسيين و أعاد إنشاء دولة بني أمية في الأندلس. أما الإغتراب في عصرنا الحديث فقد شمل عائلات عديدة في العالم كانت على سدة الحكم و جاءت بعدها عائلات أخرى تحكم بلدانها و عاش أهلها مأساة الإغتراب كما عاشها الأمويون و بعدهم العباسيون و تذكروا أسرة الملك فيصل الهاشمي حفيد الشريف حسين في العراق حين أطاح بها بعض الضباط في يوليو 58 بقيادة عبد الكريم قاسم الذي قتلوه وسحلوه بعد 3 سنوات بنفس القسوة التي قتل بها الأسرة الهاشمية و قبلها أسرة الملك فاروق في مصر حين قام انقلاب عسكري في 23 يوليو 52 فسافر الملك الى إيطاليا على متن يخته (المحروسة) و اسر عديدة تغيرت نعمتها إلى نقمة مثل الأسرة الحسينية التونسية التي حكمت تونس عندما كانت إيالة عثمانية لمدة 270 عاما و أطاح بها الزعيم بورقيبة الذي أسس جمهورية تحولت مع الزمن إلى (جملكية) أي الى نظام حكم هجين تأبد فيه رئيس الجمهورية مدى الحياة إلى أن أطاح به الرئيس زين العابدين بن علي عام 87 و في أندونيسيا حين جاء الجنرال سوهارتو في انقلاب مارس 1966 على جثث نصف مليون ضحية: من إسلاميين وشيوعيين ومعارضين ثم رحل في موجة عاتية من الغضب الشعبي على جثث خمسمائة شخص. هذا الذي جاء الى السلطة بعد الزعيم التاريخي احمد سوكارنو أحد قادة مؤتمر باندونج و مؤسس حركة عدم الإنحياز وباني نهضة اندونيسيا. عجيب كيف لم يقرأ هؤلاء الغافلون عن حركة التاريخ كتب التاريخ ومن بينها كتاب العبر مقدمة ابن خلدون ليعرفوا (ميكانزم) انتقال الشرعية بسهولة ويسر. هذا ما يمكن ان يجري إذا ما ألغيت كل المؤسسات الدستورية الفاعلة وعوضتها الامزجة واذا غاب رجال العلم والصلاح والاستشارة وعوضهم البهلوانات والمنافقون والمصفقون.. نعود الى كتاب الاغتراب للدكتورة الفاضلة فاطمة السويدي فاذا كنت تشعر بغربة ما أو بأنك غريب مؤقتا خارج وطنك او داخله او اذا احسست بنداء من الأعماق يعزلك عن الناس ويجتث جذورك من ترابك ويزرعك بعيدا فافتح هذا الكتاب الصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة. والحقيقة ان عنوان الكتاب متواضع ولا ينصفه غاية الإنصاف فالباحثة القطرية لم تكتف بحقبة الامويين بل خصصت حوالي مائة صفحة لتحليل ظاهرة الاغتراب بمنظورها الفلسفي والنفسي وابعادها المكانية والزمانية والسياسية والعاطفية والاجتماعية مع اتخاذ أدب أهل الاغتراب نماذج للتدليل على تطبيق نظرياتها.

فإذا كنت تشعر بغربة ما أو بأنك غريب مؤقتا خارج وطنك او داخله او اذا احسست بنداء من الأعماق يعزلك عن الناس ويجتث جذورك من ترابك ويزرعك بعيدا فافتح هذا الكتاب

وتنطلق د. فاطمة من معنى الاغتراب لدى القبائل العربية المهاجرة إلى معنى الاغتراب لدى الشعراء فتنقلك من العصر الاموي الى عصرنا الحاضر لأنك تقرأ قصائد رائعة باقية مع الزمن تعبر عن اغتراب الإنسان في كل العصور. ومن اطرف مايشد الانتباه ويدعو للتقدير اتخاذ نماذج من الاغتراب الجماعي للتغلغل في أوضاع السياسة والاقتصاد والاجتماع مثل نماذج الصعاليك والخوارج والموالي والعذريين وقد وفقت د. فاطمة السويدي الى تبيان الثنائية الدرامية في أدب المغتربين بين الخوف والجسارة والحياة والموت والروح والجسد والتمرد والاستسلام والماضي والحاضر الى جانب ان الكتاب ديوان شعري مفتوح تقرأ فيه روائع الشعر العربي أمثال تلك الامنية التي تمناها مجنون ليلى حيث يقول:
ألا ليتنا كنا غزالين نرتعي رياضاً من الحوذان في بلد قفرألا ليتنا كنا حمامي مغارة نطير ونأوي بالعشي الى وكر
فالتحية الى المؤلفة التي كان لها فضل التأمل الرصين في عيون التراث بعيون عصرنا وفضل كشف بعض اسرار الاغتراب الذي ينجب العبقرية.