أحمد القديدي يكتب لكم: مسلمون ساهموا في مجد فرنسا فلا تظلموهم!

كتب: د.أحمد القديدي
السياسات عابرة و الجمهورية الفرنسية باقية وستظل فرنسا رغم القوسين الاستعماريين هي أم ميثاق حقوق الإنسان وحاضنة حركات التنوير الفكري و سيتجاوز المجتمع الفرنسي محنة انحراف بعض أحزابه نحو اليمين العنصري و انحراف بعض شبابه نحو التطرف. أذكر سنة 1987 عين الرئيس (فرنسوا ميتران) صديقه السياسي الكبير و رئيس حكومة فرنسا الأسبق (إدغار فور) رئيسا للجنة الوطنية لإحياء الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية (1789-1989) فراسلته وكنت أيامها معيدا باحثا في جامعة السوربون مع أستاذنا المستشرق الشهير (دومينيك شوفالييه) راجيا إياه أن يقبل تعييني مسؤولا عن تحرير الجزء المتعلق “بتأثير الثورة الفرنسية في حركات الإصلاح و التنوير في العالم الإسلامي” وقبل بسرعة وصارحني بالهاتف أنه لم يفكر في هذا الجانب الأساسي في الثورة الفرنسية و بالفعل كلفني بكتابة البحث في هذا المحور الهام..والتقينا مرات عديدة وهو شخصية متميزة ثرية لأنه هو الذي عينته الحكومة الفرنسية بأن يكون ممثل فرنسا في المحاكمة الشهيرة لزعماء النازية الألمان في مدينة (نورنبيرغ) الألمانية وهو صديق حميم للزعيم بورقيبة وآخر قادة الرأي والسياسة في الجمهورية الرابعة الفرنسية.
تذكرت هذا الحدث القديم بمناسبة العودة القوية لملف الجالية المسلمة في فرنسا و تنافس الحزب الحاكم فيها مع المعارضة اليمينية العنصرية في استقطاب الناخبين على حساب الحقائق و التاريخ استعدادا لرئاسيات 2022 ووقع تدريجيا تحويل قضية الجالية المسلمة بسبب جريمة عنصرية معزولة الى أدق القضايا اليوم في الإنتخابات القادمة خاصة بعد بيان الضباط المتقاعدين الذين هددوا السلطة بحرب أهلية أو بانقلاب عسكري! و خاصة بعد بيان وقعته عشرات المنظمات الحقوقية و مئات الشخصيات الأكاديمية الفرنسية ينبه الى خطر المد اليميني العنصري الذي يهدد 6 ملايين مسلم فرنسي و يقدمهم أكباش فداء لنيل أصوات الناخبين. و الذي وقع هذه الأيام الأخيرة في فرنسا هو استجابة المتطرفين لنداءات الأحزاب العنصرية فتم حرق مسجد مدينة (نانتس) و تخريب مساجد مدن (لومان) و (بايون) و (رين) و التهديد بهدم مسجد (ستراسبورغ).
اليوم نحن نعيش في مجتمع فرنسي مختلف تماما عن ذلك الذي درسنا في جامعاته طلابا ثم منحنا الأمان حين قدمنا منفيين من أوطاننا و احتضننا و أنصفنا لأن البحر الأبيض المتوسط الذي كان بحيرة تواصل و تبادل ثقافي و تجاري تحول إلى جسر تعبر منه فواجعنا العربية و الإفريقية إلى القارة الأوروبية مع استفحال الأزمات الإقليمية و إندلاع الحروب الأهلية فبدأت موجات الهجرات المليونية تحط على سواحل أوروبا قادمة على مراكب الموت و اليأس طلبا للنجاة بالنفس والأطفال من موت محقق تحت القصف. ثم إن الاف الشباب الأوروبيين جنسية أو عرقا (و أغلبهم من فرنسا) استقطبتهم المواقع الإرهابية أو جندتهم بعض الوكالات المشبوهة ليتحولوا إلى قتلة و انتحاريين وهم من نتاج مزدوج أي ضحايا عجز الدول العربية و الإفريقية عن توفير الحد الأدنى لهم من الشغل و الكرامة و الحرية و الأمان من جهة و فشل الدولة الفرنسية في إدماجهم السليم في المجتمع من جهة ثانية فنشأ أغلبهم في الأحياء المهمشة و نجح منهم من نجح في الإرتقاء بالمصعد الإجتماعي و لكن فشل منهم البعض و شعر أنه منبوذ لا يحصل على شغل و لا يجد أيادي تنتشله و بالطبع مارس بعض هؤلاء الإرهاب ضد مواطنين مدنيين أبرياء من جميع الأديان في أحداث دموية ظلت عالقة بوجدان الشعب الفرنسي المصدوم و نشأ لدى المواطن الفرنسي خوف لا من الإرهاب بل من الإسلام ذاته وهو شعور استغلته التيارات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تريد تدليس التاريخ وطمس الحقائق و أولها أن المسلمين ساهموا في تحرير فرنسا من الإحتلال النازي الألماني سنة 1944عندما جهز الجنرال (لوكلارك) جيشا من المغاربيين و السينغاليين و عبر بهم البحر ليكونوا أول من يتصدى للجيش الألماني في جنوب فرنسا كما ساهم المسلمون المهاجرون في الستينات في بناء أغلب البنية التحتية الفرنسية من طرقات سريعة و جسور و سدود و حفر أنفاق المترو تحت الأرض و حسب إحصائيات وزارة الصحة الفرنسية توفي من هؤلاء جراء الأشغال الشاقة حوالي 15 الف مسلما مهاجرا بسبب الثلوج و العمل الشاق و هشاشة الوضع العام من مأكل و سكن و انعدام اللباس الواقي ثم إن فرنسا لا تنكر أن من بين أبناء الجيلين الثاني و الثالث من المهاجرين المسلمين الاف ممن ساهموا في فوز فرنسا ببطولات أولمبية في الرياضات كلها و في إشعاع الثقافة الفرنسية من كتبا كبار و سينمائيين موهوبين و فنانين متميزين كما ساهموا بكفاءاتهم العالية في إنعاش الإقتصاد الفرنسي و الصناعات و الطب و غزو الفضاء و هم مواطنون مندمجون في قيم الجمهورية لكن أغلبهم يشعرون بانتمائهم إلى الإسلام السمح المتعايش مع قيم الجمهورية و أخلاقها و إحترامها للدستور والقانون…