أحمد القديدي يكتب لكم: من روائع كتاب الله في صلة بالجائحة!

كتب: د.أحمد القديدي
سيهل علينا بعد ساعات شهر رمضان الفضيل جعله الله عز و علا رحمة و انفراج محنة إلا أن الإعتكاف فيه هذا العام إعتكافان الأول اتباعا لسنة رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم و الثاني إحتراما للبروتوكولات الصحية و أذكر رمضان العام الماضي غير المعتاد بالنسبة لي حيث قضيته ضمن سبعة شهور صعبة في بيتي بباريس لا أبرحه من مارس الى أكتوبر 2020…
لأني غادرت الدوحة الحبيبة الى باريس يوم 9 مارس لتجديد بطاقة إقامتي ذات العشرة أعوام، وهي التي لدي من السلطات الفرنسية لأني لست فرنسي الجنسية حتى بعد أربعين عاما في فرنسا و أولادي مولودون هناك وحصلوا على حقهم في الجنسية الفرنسية بالميلاد وقطعت تذكرة العودة الى قطر ليوم 25 مارس لكن الذي حدث هو انتشار سريع للفيروس وغلق الادارات و اعلان حالة الحصار الكاملة فاعتكفت مضطرا في البيت وحيدا و لكن محاطا برعاية العديد من أصدقاء الخير والجيران جزاهم الله عني خيرا… وأغلب الجيران من الشباب العرب مع زوجاتهم لا يتعشون إلا بعد أن يبعثوا لي من طبخهم أطباقا مغاربية جزاهم الله عني خيرا مع زيارات لبعض أولادي تطرد عني الوحشة وتنعش الروح و في هذه العزلة المتاحة التي احترمت خلالها بروتوكولات الحجر الصحي الصارم هناك منذ أول أسابيع الكورونا أكثرت من قراءة القرآن كعادتي منذ طفولتي حين يشتد بأس أو يطرأ خطر وما أكثر ما عانيته و عاناه جيلي أيام مقاومة الإستعمار في طفولتي ثم عهد بناء الدولة المستقلة في شبابي الأول مع مواكب الفتن و الصراع من أجل السلطة و المحاكمات الكيدية الغاشمة التي إبتدعها الرئيس بورقيبة بالمحاكم الخاصة (شعبية و أمن الدولة و عسكرية) ضد كل من لا يروق له أو خالفه الرأي أو وقف ضده بشجاعة أو فقط بحيازته لبعض الإشعاع الشعبي الذي لا يرضاه بورقيبة إلا لشخصه فقط!!وهي الظاهرة المرضية التي عانت منها بلادنا أواخر عهد الزعيم رحمه الله. و في غمرة أيام و ليالي الحجر الصحي و أنا وحدي في عزلة أشبه بعزلة النساك و المتصوفين و المرابطين المنقطعين عن ضجيج الشوارع و ثرثرة المجتمع في وسائل الإتصال الإجتماعية أتاح لي الله سبحانه أن أجد الفكر أكثر صفاءا و أعثر فيما أعثر على معاني سورة المدثر فأجدها أقرب لمشاغل البشرية في محنتها الوبائية رفعها الله عنا فالدعوة للتطهر سبقت في القرأن توجيهات لجان الأطباء و الهيئات العلمية:
بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ.
ثم أواصل قراءة السورة فإذا برب العالمين يتحدث عن من يطمعون في المزيد من المال و المكاسب و مفاتن السلطة من حلال و حرام فالله جعل لهؤلاء مالا ممدودا و بنين شهودا ثم يطمعون في الزيادة لا يشبعون تقول (المدثر) عن هؤلاء الذين شبههم الله سبحانه في سورة الأعراف بالكلب اللاهث وراء المال و التكسب الحرام :
“ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا””
ثم أكتشف باجتهادي المحدود أن الله سبحانه وصف سقر التي هيأها لهؤلاء الذين لا يشبعون و رجعت لأفهم سر الرقم 19 وهو الذي يحمله فيروس كوفيد 19 فوجدت المفسرين اختلفوا إلا أن جلهم يقرون بأنهم زبانية سقر. فتعجبت من رقم 19 و كأنه في السورة إشارة ربانية الى بعض ما يعلمه هو سبحانه و ما نحن له جاهلون: “فهي لواحة للبشر” أي مفرقتهم عن بعضهم: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ.
أتذكر أن والدي رحمه الله كان يقول لنا حين يأخذنا لكتاب من كتاتيب القيروان قبالة بئر بروطة عند مؤدبنا طيب الذكر الشيخ البشير بن غانم رحمه الله فكان يذكر لنا حكمة للشاعر الباكستاني محمد إقبال وهي (إقرأ القرأن كأنما أنزل إليك) فقرأته شخصيا طوال حياتي كأنه أنزل إلي إلى درجة أني أحسست بقلبي أن الأيات من سورة الضحى:
(ألم يجدك يتيما فأوى و وجدك ضالا فهدى و وجدك عائلا فأغنى)
تنطبق علي بالضبط لأني عشت يتيم الأب منذ السابعة من عمري فأواني الله في بيت كريم مع أرملة طيبة حنون و كدت أكون ضالا لأني لم يوجهني أحد الى الهدى فاهتديت بكتاب الله وحده ثم حين لم نجد عائلا أغنانا الله تعالى و لم نبت ليلة جياعا و نحن أيتام ….كان والدي يردد على مسامعي تلك النصيحة للشاعر الباكستاني وهو الذي أبدع قصيدة (حديث الروح) التي ترجمها للعربية الشاعر الصاوي شعلان و لحنها الكبير رياض السنباطي و غنتها كوكب الشرق أم كلثوم رحم الله جميع هؤلاء زارعي بذرة الإيمان بالفن الراقي :
من قام يهتف باسم ذاتك قبلَنـا *** مَنْ كان يدعو الواحد القهَّـارا
عبدوا تماثيلَ الصخور وقدَّسـوا *** مِن دونك الأحجار والأشجـارا
عبدوا الكواكب والنجوم جهالـةً *** لم يبلغوا من هَديها أنـوارا
هل أعلن التوحيدَ داعٍ قبلنَـا *** وهدى القلوب إليك والأنظـارا
كنَّا نُقدِّم للسيوف صدورَنـا *** لم نخش يوماً غاشمًا جبَّـارا