أحمد القديدي يكتب لكم: نسيج حضاري عجيب اسمه أفغانستان!

كتب: د. أحمد القديدي

تصدرت أفغانستان يوم 15 أوت إهتمام و متابعة جميع الدول و وسائل الإعلام و مشاورات الدبلوماسيات عندما دخلت طالبان العاصمة كابل بعد مفاوضات عسيرة و طويلة بوأت الدوحة مكانة دولية بفضل رعايتها منذ عامين لأطول و أعسر مفاوضات سلام بين حركة طالبان و الإدارة الأمريكية… وهو مما جعل الرئيس بايدن يقول في مكالمة هاتفية مع صاحب السمو أمير قطر بأنه لولا الدوحة لما استطعنا أن نجلي في ظروف إنسانية طيبة مواطنينا والأفغان الذين عملوا معنا….

وبهذه الروح تستمر الدوحة بتوجيهات من صاحب السمو أميرها حفظه الله في أداء رسالتها و تبين ذلك في المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس بايدن وبين صاحب السمو الأمير يوم السبت الماضي، كما أن الرئيس بوتين تحادث مع الرئيس التركي أردوغان في نفس موضوع ما بعد 15 أوتن.
و بدأ العالم يطمئن إلى أن طالبان استوعبت دروس التاريخ و مستعدة للتفاعل إيجابيا مع معطيات السياسة الدولية الجديدة، ولكن إذا ما رجعنا للتاريخ فقد رسخت في ذاكرتنا فقرة جاءت في مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق (دوايت إيزنهاور الذي كان سيد البيت الأبيض من 1953 الى 1961) أجاب فيها عن أسئلة الصحفي الأمريكي (ستيفن أمبروز) الذي سأله عن استشرافه للمستقبل الأمريكي و الأخطار المهددة لأمن الولايات المتحدة بعد نصف قرن فقال (أيزنهاور) :” أكبر خطر في المستقبل هو عندما يتحد العالم الإسلامي و يستعيد قوته وحضوره بمنظومته التي أخضعت له نصف الأرض” وهنا سأله (أمبروز) و كيف سيدي الرئيس تستبقون هذه المخاطر؟ فأجاب الرئيس:
” لا بد أن يكون لنا نحن الأمريكان موطأ قدم في كل من أفغانستان و العراق! (كان هذا الكلام عام 1960) و حين ألح الصحفي على معرفة سر تحديد مخاطر الوحدة الإسلامية في هاتين الدولتين قال (أيزنهاور) :”لأنهما هما الحلقتان الأساسيتان في سلسلة الوحدة الإسلامية تاريخيا و جغرافيا »…
ومن هنا لا بد أن نقدم للقراء لمحات عن جينات أفغانستان لأن لكل أمة جينات (هندسة وراثية حضارية تحدد ردود أفعالها و سياساتها. و يجب أن نعرف أن الطالبان فصيل من قبائل البشتون هذه البشتون التي كانت ولا تزال منقسمة الى قسمين كبيرين متصارعين هما: الغلزاي والعبدلي.. هؤلاء العبدلي الذي سموا بعد ذلك باسم الدراني، ويمثل البشتون تقريبا 43 بالمئة من الافغان، بينما يحتل الهزارة الشيعة وسط أفغانستان ويستقر الاوزبك في الشمال على حدود اوزباكستان ويتقاسمون هذه المناطق مع الطاجيك على حدود طاجيكستان ويتعايش التركمان في الشمال الغربي على تخوم تركمانستان ويدينون بالولاء لعاصمتهم التاريخية عشق آباد.
ويتوزع فيما عدا ذلك كل من الإسماعيليين والغرجيز والنوريستانيين على بقية التراب الأفغاني وحين تتأمل الخارطة الجغرافية لهذا الشعب الفسيفسائي فإنك تقرأ تاريخه من خلال الجغرافيا تتناثر المدن الكبرى كقلاع عتيدة شبه مستقلة لم يجمعها نفوذ مركزي إلا نادراً على مدى القرون: فما أبعد فايزاباد عن كابول وما أبعد باميان عن جلال آباد وما أبعد مزار الشريف عن قندهار وما أبعد حراة عن قندوز والبعد الذي أقصده ليس بعد المسافة الجغرافية بل بعد الاثنيات والاعراق واللغات عن بعضها البعض في نسيج غريب اسمه افغانستان، اعلنت «استقلالها» عام 1919 وسنت دستورها «القومي» في مناخ دموي تميز باغتيال ملكين من ملوكها ولا نجد دولة من الدولة المطوقة لأفغانستان تفكر لحظة واحدة في استقلال أفغانستان إلا بما يخدم مصالحها وكذلك الأمر لجميعها بدون استثناء. باكستان وايران وتركمانستان واوزباكستان وطاجيكستان.
وبالطبع وراء هذا الطوق الاول، طوق ثان واخطر من الدول الكبرى ذات المصالح الاستراتيجية المرتبطة بما يحدث في أفغانستان. وهذا الطوق الثاني مكون من الهند وروسيا الاتحادية والصين. والصراع ما بين هذه الامبراطوريات الثلاث يظهر للعيان واضحاً كذلك في مقاطعة كشمير وبصورة متقطعة في احداث باكستان منذ ثلاثين عاماً. انا شخصيا عرفت أفغانستان في العام 1978 عندما كنت اشتغل في مؤسسة جون فريك للنشر واشتركت مع المثقف الأفغاني المتميز نجم الدين بامات وكان يشغل منصب المدير العام المساعد لمنظمة اليونسكو، وذلك في إعداد كتاب عن مكة المكرمة والحج الى بيت الله باللغة الفرنسية، وعرفت من خلال ذلك الصديق بعض تاريخ أفغانستان ومأساتها وهجرة ملكها ظاهر شاه.
وكان الشاعر المسلم محمد اقبال ينعت افغانستان بنعت قلب آسيا بينما كان يسميه (اللورد كورزون) نائب ملك الهند البريطانية بساحة وغى آسيا نظراً لتلاحق الحروب فوق سهولها وعلى جبالها.. وعلى هذا المشهد نجد أن صراع القبائل والإثنيات قضى على الأراضي الزراعية فاثنا عشر بالمئة فقط من الأرض الأفغانية صالحة للزراعة.. وزراعة ماذا؟ زراعة الحشيش والمخدرات بنسبة كبيرة على مدى ثلاثين عاماً، فالحشيش هو الذي يمول حروب القبائل، وليس للمزارعين من بذور غير بذور نبات الخشخاش.. إلى أن احتلت طالبان 90 بالمئة من الأرض الأفغانية في سبتمبر 1996 ومنعت ميليشياتهم زراعة الخشخاش.
اليوم وعدت طالبان العالم باتباع نهج مختلف عن منهج الحرب لدمج أفغانستان في الدورة الدولية في السياسة و الاقتصاد إلا أن الشريعة ستظل هي الراعية لدستور المجتمع.