أحمد القديدي يكتب: من أسباب إنهيار الدول وخراب العمران

Guerre ukraine

كتب: د.أحمد القديدي

أتذكر حين انتهت الحرب الأهلية في إحدى دول إفريقيا أواسط التسعينيات وانتصر أحد رؤساء القبائل على خصمه وأعلن نفسه رئيسا منذ حوالي 25 عاما ودخل عاصمة بلاده مؤيدا ببعض القبائل داخليا وبعض القوى الاستعمارية خارجيا…

كتبت أنا في نفس هذا الركن مقالا بعنوان (بالروح والدم نفديك يا زعيم)! وقلت بالحرف ان الطاغية الجديد جاء لانقاذ وطنه من الطاغية القديم في انتظار من يأتي لانقاذ نفس الوطن من الرئيس الحالي وهكذا دواليك!

في العالم العربي أيضا…

وفي عالمنا العربي تأثرت في طفولتي بأخبار العراق حينما انقلب عبد الكريم قاسم على آخر ملك هاشمي هو المرحوم فيصل و أعدمه و سحله في شوارع بغداد، ثم بعد 4 سنوات جاء انقلاب عبد الرحمن عارف فأطاح بالطاغية الأحمر عبد الكريم قاسم (لأن قاسم استعان بالشيوعيين) وسحله مع وزرائه في نفس شوارع بغداد
ونجا بحياته صديق تونس الرجل الفاضل محمد فاضل الجمالي بفضل إصرار الزعيم بورقيبة على إطلاق سراحه…
وأصبح الرجل صديقي و طالما حدثني بلسان خبير عن الهنات و الزلات التي تقع فيها النخب العربية رحمة الله عليه واستنتجت منذ مراهقتي ان كل من يدرّس التاريخ يعرف أن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج وان غياب دولة القانون والمؤسسات والوفاق الوطني لابد ساقطة في نفس الظروف والملابسات…
ومسكينة أفريقيا تلك القارة التي أراد محرروها قارة ديمقراطية وموحدة ورحلوا عنها منذ خمسين عاما ليتسلمها بعض الضباط المتناحرين (المنقذين)… فأين افريقيا من أحلام داعبت خواطر (نلسون مانديلا) بطل السلام و (باتريس لومومبا) بطل الكونغو الذي مات مقتولا على أيدي الدموي (موسى تشومبي)؟ وأين (أحمد سيكوتوري) بطل غينيا الذي وقف وحيدا في وجه الاستعمار الجديد ومات في ظروف غامضة أليمة؟ وأين (كوامي نكروما) زعيم غانا وأين وأين…

 لعبة مأساوية

أولئك الذين أسسوا منظمة الوحدة الافريقية لإنجاز وحدة القارة السمراء ثم تحولت إلى جهاز إداري بارد ثقيل لا روح فيه كما أجهض حلم مؤسسي جامعة الدول العربية  واليوم تعيش عديد الشعوب الإفريقية فواجع الحرب الأهلية والتهجير نفس سيناريو عام 1997.
إنها لعبة مأساوية تتكرر منذ الستينات وفي انتظار حلها تغرق افريقيا في المجاعات والهجرات الجماعية وتفاقم الإيدز والملاريا وضياع الثروات المنهوبة وتناحر زعماء القبائل واستغلال الشركات الغربية لهذه الأوضاع لتسرق وتسلب وتتدخل في نوع جديد غير مسبوق من الاستعباد… دون بواخر الرقيق!

مآسي الحروب

وما وقع في البلقان من إبادة جماعية للمسلمين ذكرني بشهادة الفنان الكوسوفي (إدريس بريشة) التي نشرتها الصحف الفرنسية  وهو القادم الى فرنسا لاجئا مثلي هو من حرب الابادة بكوسوفو و أنا من قمع الإستبداد عام 1986. وإدريس المسلم كان يدرس في معهد اللوفر في باريس ثم عاد إلى وطنه وأنشأ معرضا للرسم إلى أن شاهد الأهوال خلال شهري جويلية وأوت 1994…

لقد فقد إدريس كل شيء يوم هجم المجرمون الصرب على مدينة (دبروفدا) في منطقة (درينتشا) يوم الثاني من أوت وعند انهيار المقاومة المسلحة المسلمة دخل الهمج العنصريون الصرب وأحرقوا كل بيوت (دبروفدا) واضرموا النار كذلك في بساتينها وقتلوا كل من وجدوه.
يقول إدريس: قبل هجوم الصرب بساعات ثلاثة شحنت عائلتي وأولادي على جرار زراعي وقلت لولدي الأكبر: (توكل على الله سبحانه وقد الجرار بعيدا نحو مدينة (السيني) القريبة من الحدود مع ألبانيا ودعني هنا) وفعلا حمل الولد أمه واخوته وهاجر؟؟؟ والنار تتصاعد منها لهبا وهرب إدريس إلى أن ابتعد الصرب المتوحشون عن مدينة (دبروفدا) خرج ادريس من مخبئه وظل هائما على وجهه حتى بلغ البانيا ثم إيطاليا ثم فرنسا حيث كان طالبا… وهو لا يعلم أين استقرت أسرته وهل أولاده أحياء أم أموات إلى أن انتهت الحرب و عثر على أسرته…
لم تكن في ذلك التاريخ إتصالات اليوم ولا أنترنت و لا موبايلات… هذه المأساة ليست أفدح ولا أكبر من آلاف المآسي التي عاشها شعب مسلم كريم تربطنا وإياه وشائج الصلوات الخمسة والشهادتين! هذه المأساة ليست فريدة أو منعزلة عما عاناه شعب كوسوفو المسلم على مرأى ومسمع من أوروبا الديمقراطية بل على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي.
ونتذكر أن الحلف الأطلسي لم ينتظر ان تنهار مجتمعات ما كان يعرف بجمهورية يوغسلافيا، وهي في قلب أوروبا بل تدخل الرئيس كلينتن عسكريا و قلب الموازين الجائرة  و رفض أن تتحول القضية إلى مسألة إنسانية لتتدخل بالخيام والبطاطين وكراتين الحليب والذرة و قرر كلينتون أن يتعامل مع قضية حق ذات أصول سياسية وعقائدية يتقابل فيها الجلاد الصربي الأرثوذكسي مع الضحية الألباني المسلم صاحب الحق.

لعبة قذرة

انها لعبة قذرة تتواصل في بقاع أخرى من العالم مثل فلسطين و قد تغول فيها المحتل الاسرائيلي أخيرا و قتل 41 فلسطينيا منهم 10 أطفال و7 نساء وكذلك وكشمير و بورما و الشيشان و الأيغور وتصلنا أخبارها مهما كانت المسافة الفاصلة بيننا و بينها لأن الوشائج الإسلامية الحميمة  تربطنا مع هذه الشعوب الشهيدة !.