أحمد القديدي يكتب: مهندس ومنفذ العدوان الثلاثي على مصر يروي أسراره المجهولة!

مصر

كتب: د.أحمد القديدي

جمعني منذ سنوات لقاء غريب وغير متوقع مع رجل يحمل في ذاكرته جزءا من تاريخنا العربي وبعضا من فواجعنا العربية، وأهمها العدوان الثلاثي..وقد تم ذلك اللقاء في باريس عندما كنت باحثا ومعيدا في جامعة السوربون العريقة، ولم تكن صفحات المجلات والجرائد العربية مفتوحة في وجهي ولم تكن تتسع لقلمي لأني كنت وقتها معارضا منفيا…

خدمة للتاريخ

فاحتفظت بشهادة ذلك الرجل في وثائق على مدى سنوات ثم حال تنقلي بين مناطق عديدة في فرنسا والخليج دون نشرها وضاعت مني إلى ان عثرت عليها في (كراتين) قديمة حرصت على الاحتفاظ بها، ووجدت أن تلك الشهادة لا تزال حية بل هي تلقي أضواء ساطعة على جانب غامض من إجهاض الحركة القومية الناصرية عام 1956 وأعتقد أن تعريف الشباب العربي بخفايا العدوان في ذكراه الستين واجب وخدمة للتاريخ..
وتذكرون أن الممثل أحمد زكي ـ رحمه الله ـ كان أحيا في شريط ناصر 56 تلك الأحداث الجسيمة ليطلعنا على الوجه العربي من العملة لكن الوجه الآخر وجه المعتدين الثلاثة لا يزال غامضا وسريا وتكتنفه ظلمات خزائن وثائق الدول المعتدية: فرنسا وبريطانيا واسرائيل واعتقد انني بنشري لهذا الحديث مع (كريستيان بينو) وزير خارجية فرنسا عام 1956 أساهم في اماطة اللثام عن اخطر المؤامرات ضد العرب بلسان رجل كان هو المهندس الحقيقي لذلك العدوان مع رئيس الحكومة البريطاني (ايدن) ورئيس الحكومة الاسرائيلية (بن غوريون).

مهندس العدوان..

لم أكن أصدق من فرط غرابة الموقف! ما اعجب تصاريف الحياة وما اشد تقلباتها كنت اخترق الفناء الشهير لجامعة السوربون العريقة حيث يجلس تمثال عالم البيولوجيا باستور الى جانب تمثال شاعر فرنسا الكبير (فيكتور هيجو) وكان مطر شهر مارس يهطل زخات على بلاط فناء السوربون النظيف اللامع وكنت ممسكا بذراع ذلك الرجل العجوز وهو يتحرك بصعوبة ونتجه معا إلى إحدى قاعات الدور الأول هذا الرجل النحيف القصير ذي الصوت المتهدج الذي امسك بذراعه لمساعدته تحت المطر هو نفس الرجل الذي هندس للعدوان الثلاثي على مصر وكان قائد (الجوقة الثلاثية) التي قلبت موازين العلاقات الدولية عام 1956 نفس هذا الرجل هو الذي مثل فرنسا في اجتماع (سيفر) السري الذي اتخذ قرار العدوان، ونفذه نفس الرجل الذي قاد جزئيات العدوان وعاش احداثه من غرفة العمليات وفي معابر قصر الاليزيه وعلى منبر منظمة الأمم المتحدة وكان أبرز الوجوه الثلاثة صانعة العدوان إلى جانب رئيس الحكومة البريطانية (ايدن) ورئيس الحكومة الاسرائيلية (بن غوريون).

شهادة للتاريخ

كان هذا الرجل الذي يتوكأ على ذراعي هو (كريستيان بينو) وزير خارجية فرنسا في الخمسينيات أي الرجل الذي كان يحتل الجانب المقابل من خندق الصراع في شريط (ناصر 56) هذا الشريط الذي سعدت بمشاهدته على شاشات السينما وعشت تلك اللحظات الساخنة المتسارعة مع الممثل أحمد زكي وهو يحاول استحضار شخصية عبدالناصر ورسم ملامح ذلك التحدي التاريخي لقوى الاستكبار.
كان الرجل العجوز الذي يحدثني بصوت خافت هو (كريستيان بينو) وكنت اصررت على مقابلته حين دعاه استاذنا المستشرق (دومينيك شوفالي) ليلقي محاضرة في قسم الدراسات العليا بالسربون عن السياسة الخارجية الفرنسية في الخمسينيات بإزاء حركات تحرر الشعوب و اغتنمت تلك المناسبة لأطلب من كريستيان بينو ان يرفع جزءا من الستار عن العدوان الثلاثي خاصة وأن الدولتين الاخريين المشاركتين في العدوان حفظتا كل الوثائق المتعلقة بالعدوان في خانة (أسرار الدولة) بل ولم يستطع اي مؤرخ أن يحصل على نسخة من اتفاق (سيفر) الذي وقعه الرجال الثلاثة: بينو وايدن وبن غوريون والذي يقرر العدوان وخطواته ومراحله وكيف ستقوم الدبلوماسية في كل من فرنسا وبريطانيا واسرائيل بتزييف حقائقه وملابساته وتسويقه للرأي العام العالمي في شكل (تدخل لوقف العنف)!.

اعتراف خطير..

وبدأ (كرستيان بينو) حديثه باعتراف مفاجئ وخطير حيث قال لي: أعتقد أننا أخطأنا نعم اخطأنا ولم اعد شخصيا أؤمن بأن إسرائيل مظلومة وأنا اليوم لا اوافق على كثير من ممارساتها لكن من الصعب أن نفسر ما حدث عام 56 خارج إطاره التاريخي وخلفياته السياسية.
ويواصل الوزير الأسبق حديثه قائلا: (ليس سهلا ان نحكم على أحداث الأمس ومواقف الأمس بعيون اليوم وعقول اليوم فالمعطيات تغيرت والمقتضيات تبدلت حتى معنى التاريخ طالته رياح التغيير. لقد كان العمل العسكري الذي قمنا به نحن وبريطانيا واسرائيل إبنا شرعيا للعقدة النفسية التي أصابت اوروبا من جراء محنة الشعب اليهودي على أيدي هتلر والنازية كنا في عام 1945 بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي نشعر بأن علينا دينا يجب تسديده لليهود كان ذلك هو الشعور السائد في أوروبا كلها وكنا نعيش تحت وطأة الصور البشعة التي كنا نشاهدها في محطات القطار عندما كان الألمان يأخذون آلاف اليهود في قطارات مكشوفة وفي برد وثلج عشرين تحت الصفر نحو محتشدات (داشو) وبانكاج).

ماذا نقدم لليهود كتعويض؟

المشكلة كانت بالنسبة للأوروبيين هي ماذا نقدم لليهود كتعويض؟ وجاءت دولة اسرائيل التي تأسست بقرار من منظمة الأمم المتحدة (نوفمبر 47). ومن جهتنا كاوروبيين حاولنا في مؤتمر روما تكوين نواة للوحدة الأوروبية وفكرت انا شخصيا في جيش موحد بين ألمانيا وفرنسا، وعند وصولنا للحكم في باريس سنة 1956 برئاسة (جي مولي) فيما سمي بالجبهة الجمهورية اختار للوزارة الأولى (بيار منداس فرانس) الذي ساعد على استقلال المغرب العربي ففي نفس العام 1956 استقلت كل من تونس والمغرب وبدأت حرب مريرة طويلة في الجزائر وشعرنا أن شعارات عبدالناصر وتصريحاته بدأت تشكل دفعا قويا لجيش جبهة التحرير الوطني الجزائرية بالإضافة إلى امكانية وصول اسلحة مصرية عبر ليبيا وتونس للثوار الجزائريين.
وعينت انا وزيرا للخارجية لكني لم أكن أدير ملف الجزائر فقد كانت شؤون الجزائر من صلاحيات وزير الشئون الجزائرية وكان (غاستون ديفير) وزيرا للشؤون الافريقية ولم أكن أنا على صلة الا بالقضية المغربية وإرهاصات نفي الملك الراحل محمد الخامس الى جزيرة مدغشقر بينما تكفل رئيس الحكومة (بيار منداس فرانس) بالملف التونسي الذي اوصله الى الاستقلال بعد مفاوضات شائكة. وفي تلك السنة 1956 بلغنا نبأ تأميم قناة السويس ومنع عبور البواخر الاسرائيلية ذهابا وايابا من القناة وقيل لنا وقتئذ ان هذا الاعلان من قبل عبد الناصر ما هو إلا انتقام من الولايات المتحدة وبريطانيا على عدم الموافقة على تمويل بناء السد العالي.
وبينما كنا في الحكومة الفرنسية تحت وقع هذه الصدم ارسل لنا (بن غوريون) رئيس حكومة اسرائيل يقول: ان عبد الناصر يستعد لشن حرب ضد اسرائيل ونحن دولة صغيرة ناشئة وان تأميم القناة ما هو الا حلقة اولى في مخطط ابادة شعب اسرائيل ورددت الصحافة الفرنسية هذا السيناريو الاسرائيلي. وفي مرحلة ثانية فاجأنا (بن جوريون) بقوله: “سوف نبدأ نحن بالحرب الوقائية ونحتاج من فرنسا وبريطانيا فقط إلى غطاء جوي!