أحمد نجيب الشّابّي ينعى رفيق دربه المناضل منجي اللّوز (صور)

انتقل إلى جوار ربّه تعالى أمس الأربعاء أحد رموز المعارضة والنّضال ضدّ الدّكتاتورية المنجي اللّوز. وقد خلّف رحيله حسرة ولوعة كبيرتين في نفوس رفاق دربه، ليس في جهة صفاقس فحسب بل وكذلك على المستوى الوطني.
أحمد نجيب الشّابّى، رئيس الهيئة السياسية لحزب “الأمل”، نشر تدوينة هذه اللّيلة نعى من خلالها رفيق دربه المنجي اللّوز. وفي ما يلي النصّ الكامل للتّدوينة:
“منجي اللوز
فجعت وصدمت بخبر رحيل رفيقنا منجي اللوز، ترجل بعد رحلة اربعة عقود سرناها جنبا الى جنب، محطة بعد الأخرى.
المنجي اللوز من مواليد سنة 1949، انخرط في العمل السياسي بمدينة صفاقس، مسقط رأسه. تعرض وهو تلميذ في السنة النهائية من التعليم الثانوي، الى الطرد من المعهد بسبب نشاطه المعارض، وحرم بذلك من اجتياز امتحان البكلوريا. لم يثنه هذا الظلم المبكر عن المثابرة والتصميم، فانخرط بمنظمة العامل التونسي بداية السبعينات وتقلد مسؤوليات امامية بقيادتها وتعرض سنة 1973 الى المحاكمة من قبل محكمة امن الدولة التي قضت بسجنه حضوريا لمدة ست سنوات نافذة قضاها كاملة حتى أفرج عنه في عام 1979. وظلت آثار التعذيب الذي تعرض اليه أثناء التحقيق تؤرقه وتؤلمه إلى أن فارق الحياة.
لم اتعرف على منجي في بداية حياته النضالية فقد كنت نزيل السجن منذ عام 1968، وبالرغم من ان محاكمة سنة 1974 قد شملتنا معا، فإني لم اتعرّف عليه مباشرة إذ كنت اقيم في منفاي بفرنسا، ولكن اخباره كانت تصل الينا تباعا، مبدية حيوية الرجل وشجاعته ورجاحة عقله وسلامة مواقفه وتوجهاته.
عدت سرا الى تونس عام 1978 وبعد عام افرج عن منجي من سجنه فعاد للإقامة بمسقط رأسه. عقدت العزم على التحول الى صفاقس للالتقاء به وصاحبني في هذه السفرة الاخ ناجي مرزوق. تحادثنا عن ضرورة توحيد اجزاء منظمة العامل التونسي بعد أن شتتها القمع، ومنذ ذلك الوقت قام بيننا تعاون وثيق وظللنا نعمل على توحيد التنظيم واعادته الى موقعه في قلب الحياة السياسية. افرج عن كافة مساجين العامل التونسي سنة 1979 وقامت بيننا علاقة سرية مع حمة الهمامي ومحمد الكيلاني الذين افرج عنهما لتوهما. لم تثمر الحوارات مع الرجلين لتباين في الافكار والتوجهات، اذ كنا نجنح نحو الفكر الاشتراكي الديمقراطي بعد تقييم للتجربة المحلية والعالمية، فيما كانا متمسكين بالمنهج الشيوعي الارثودوكسي. افترقنا معهما واتجهنا الى تأسيس التجمع الاشتراكي التقدمي فيما اتجها الى تأسيس “حزب العمال الشيوعي”. كان منجي يشاطرنا التوجهات الفكرية والسياسية ولكنه ظل متعلقا بوحدة تنظيم العامل التونسي، فلم يلتحق بأي من التنظيمين بداية الامر. ومع مر الايام حسم موقفه والتحق بالتجمع الاشتراكي التقدمي واحتل موقعا يليق به في قيادته وحافظ على مكانته في الصف الاول وقاد من موقعه هذا تحول التجمع الاشتراكي التقدمي الى الحزب الديمقراطي التقدمي سنة 2001 ثم الى الحزب الجمهوري بعد الثورة، وظل قياديا به حتى وفاته في 5 ماي 2021.
الى جانب مهامه الحزبية القيادية، لعب منجي اللوز دورا رياديا في الحياة العامة فترأس “لجنة مساندة العراق بصفاقس” لعام 1990 والتي كانت تضم كامل الطيف السياسي والجمعياتي ونظمت مهرجانات ومظاهرات ضخمة بالجهة. وعقب اضراب الجوع لسنة 2005 لعب منجي اللوز دورا بارزا في الحوارات التي دارت ضمن منتدى 18 أكتوبر وشارك في كل الاعمال الميدانية التي نظمتها هيئة 18 أكتوبر. وبعد الثورة لعب منجي اللوز دورا مؤثرا ضمن ” الهيئة العليا لتحقيق اهداف الثورة والاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” (لجنة بن عاشور) ممثلا عن الحزب الديمقراطي التقدمي وحظي باحترام جميع مكوناتها لما اتصف به من رجاحة عقل وثبات على الموقف في غير تعصب او تشنج مع من خالفه الرأي. كما لعب منجي اللوز دورا لافتا في الحوار الوطني لسنة 2013 وحظي باحترام جميع مكوناته وخاصة منهم الراحل الباجي قائد السبسي الذي ارتاح لتدخلاته ومواقفه، واستطاب ملكاته العقلية وفصاحته وعمق تحليله.
وفي الحقل الصحفي، تحمل منجي اللوز مسؤولية إدارة تحرير صحيفة “الموقف” لأكثر من عقدين من الزمن، كان يخطط لمحتوى اعدادها الاسبوعية ويتابع عمل الصحفيين يوما بيوم، ويحبر مقالاته التي كانت توشح صفحتها الاولى، الى جانب رئيس التحرير، رشيد خشانة”.
عاش منجي اللوز ومات مناضلا صادقا سخيا، يعطي ولا يأخذ، ففي عام 2007، شن صحبة رشيد خشانة اضرابا عن الطعام لمدة خمسة عشر يوما بمقر صحيفة الموقف لرفع الحجر الذي فرضته الدولة على شركة توزيع الجريدة. وكلل الاضراب بالنجاح وعادت الموقف الى الاكشاك، منارة للحرية ومنبرا للأحرار من كل طيف.
كان منجي اللوز واسع الثقافة، ثاقب الرؤيا، عميق التحليل، ملتزما بنتائجه العملية مهما كانت كلفتها، وكان الى ذلك دمث الأخلاق، لطيفا في المعاملة، متسامحا رحب الصدر، يقارع الحجة بالحجة في دون ملل او كلل.
رفيقي منجي، غادرتها في صمت، وخليتها في من يخليها، آمنت بأن الجسد لا يعمر وان الحياة واد لا ينضب، احببت الانسان وشفقت عليه وحملت حلما شاهدت باكوراته تزهر وتثمر، فرحلت مطمئنا في غير صخب ولا ندم، مرتاح الضمير، تطلب ملاقاة ربك بقلب طاهر ونفس راضية.
رحمك الله رحمة واسعة واسكنك فراديس جنانه
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.
أحمد نجيب الشابي”