ابوذاكر الصفايحي يسال ويذكر: هل استفاد المسلمون حقا من أنوار سورة النور؟

كتب: أبو ذاكر الصفايحي
لا شك ان كل من يقرا القران بخشوع و بتفكر وتدبر وإمعان وخاصة في شهر رمضان لابد ان تستوقفه الآية الأولى من سورة النور والتي يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى العزيز الغفور(سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون) أفلا يجب ان يتساءل هذا القارئ المفكر المتدبر لماذا تكرر فعل أنزلنا مرتين في هذه الآية ؟ وما معنى فعل فرضناها الذي يفصل بين فعلي أنزلنا ؟ ولماذا ختمت بفعل تذكرون ولم تختم مثلا بفعل تتقون او تعقلون كما ختمت غيرها من آيات السور في كتاب الله المكنون؟ لقد اخترت لكم الإجابة عن هذه الأسئلة الضرورية من خلال تفسير التحرير والتنوير لصاحبه العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور الذي عودنا بتفسير آيات القران لغة وعقيدة وتشريعا وتاريخا وغير ذلك من العلوم الضرورية التي يجب ان تتوفر في كل من يتصدر لتفسير القران… يقول الشيخ رحمه الله(يجوز ان تكون (سورة) خبرا عن مبتدا مقدر دل على ابتداء السورة فيقدر هذه سورة…وجملة (أنزلناها ) وما عطف عليها في موضع الصفة ل(سورة) والمقصود من تلك الأوصاف التنويه بهذه السورة ليقبل المسلمون بشراشرهم على تلقي ما فيها وفي ذلك امتنان على الأمة لتحديد أحكام سيرتها في أحوالها ففي قوله( أنزلناها ) تنويه بالسورة بما يدل عليه (أنزلنا) من الإسناد الى ضمير الجلالة الدال على العناية بها وتشريفها وعبر ب(أنزلنا) على ابتداء إنزال آياتها بعد ان قدرها بعلمه وبكلامه النفسي فالمقصود من إسناد إنزالها الى الله تعالى تنويه بها وعبر عن إنزالها بصيغة المضي وإنما هو واقع في الحال باعتبار إرادة إنزالها فكأنه قال أردنا إنزالها وإبلاغها فجعل ذلك الاعتناء كالماضي حرصا عليه وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة وقوعه كقوله تعالى (اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية …وأريد هنا قبل ان أواصل كلام الشيخ ان ألاحظ ملاحظة مؤسفة والحق يقال ومضمونها انني سمعت ماشاء الله من الأساتذة ومن الدكاترة ومن الخطباء يذكرون أية الوضوء ولكنني لم اسمع ان أحدا منهم قال مرة مثل هذا الكلام العلمي عن فعل قمتم الذي قاله الشيخ وهو(استعمال الفعل في معنى إرادة وقوعه) الم اقل منذ سنين اننا نفتقر اليوم الى علماء في مكانة الشيخ بن عاشور الذي اظن من باب اليقين ان تونس لا ولن تظفر بمثله بعد إيقاف وإبطال التعليم الرسمي بجامع الزيتونة بقرار بورقيبي تاريخي فجئي سياسي زلزل العلم الديني في هذه البلاد وأصاب التونسيين بالبلاء المبين وابعدهم عن طريق الهدى والرشاد والسداد… اعود بعد هذه الملاحظة الضرورية الى تفسير الشيخ الذي يقول (والقرينة قوله (وفرضناها ) ومعنى (فرضناها ) عند المفسرين اوجبنا العمل بما فيها …والذي اختاره ان يكون الفرض هنا بمعنى التعيين والتقدير كقولها تعالى( نصيبا مفروضا)…فالمعنى وفرضنا آياتها …وأما قوله (وأنزلنا فيها آيات بينات) فهو تنويه اخر بهذه السورة تنويه بكل آية اشتملت عليها السورة من الهدى الى التوحيد وحقيقة الإسلام ومن حجج وتمثيل ما في دلائل صنع الله على سعة قدرته وعلمه وحكمته وهي ما أشار اليها قوله(ولقد انزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) وقوله (الم تر ان الله يزجي سحابا)الى قوله (صراط مستقيم) ومن الآيات البينات التي انزلت فيها اطلاع الله رسوله على دخائل المنافقين مما كتموه في نفوسهم من قوله (واذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم اذا فريق منهم معرضون ) الى قوله تعالى (إن الله خبير بما تعملون) فحصل التنويه بمجموع السورة ابتداء والتنويه بكل جزء منها ثانيا …وكلمة (فيها)تؤذن باستعارة مكنية بتشبيه هذه السورة بإغلاق نفيسة تكتنز ويحرص على حفظها من الإضاعة والتلاشي كأنها مما يجعل في خزانة ونحوها …فقوله (وأنزلنا فيها) هو بمعنى وأنزلناها آيات بينات ووصف (آيات) (ببينات) اي واضحات مجاز عقلي لان البين هو معانيها وأعيد فعل الإنزال مع اغناء حرف العطف عنه لإظهار مزيد العناية بها والوجه ان جملة (لعلكم تذكرون) مرتبطة بجملة (انزلنا فيها آيات بينات) الآيات بهذا المعنى مظنة التذكر اي دلائل مظنة لحصول تذكركم فحصل بهذا الرجاء وصف أخر للسورة وهو انها مبعث تذكر وعظة والتذكر خطور ما كان منسيا في الذهن وهو هنا مستعار لاكتساب العلم من أدلته اليقينية بجعله كالعلم الحاصل من قبل فنسيه الذهن الي العلم الذي شانه شان ان يكون معلوما فشبه جهله بالنسيان وشبه علمه بالتذكر…)( التحرير والتنوير الصفحات من 141 الى145 الجزء الثامن عشر المجلد الثامن) افرايتم رحمكم الله كيف يكون حقا التفسير الغزير وكيف يتحقق فعلا التحرير و التونير؟ اليس مثل هذا الشيخ حقا هو الذي يجب ان يطلع على علمه و ان يستفيد منه المسلمون؟ أليس هو الذي يجب ان يطلع اليوم على تفسيره المفسرون حتى يتعلموا منه ثم يزيدون عليه ان كان لهم حقا ما يزيدون؟ اما من كان في شك او ريب مما اقول فليشر علينا بتفسير وتحرير وتنوير أعمق وأغزر من هذا التفسير واننا سنكون له من الشاكرين وسنتعلم منه مما لم نجده في كتاب شيخنا الطاهر بن عاشور الذي يصح ويحق للتونسيين ولكافة للمسلمين ان يلقبوه بأمير التفسير والتحرير والتنوير…هذا ما يمكن ان نقوله في الشيخ وتفسيره الكبير ولم يبق لنا الا ان نسال ونحن آسفون هل فهم المسلمون حقا هذه السورة وهل تنوروا بما فيها من النور؟وهل عملوا حقا بما فرضه الله فيها من الأحكام؟ ام تركوها واعرضوا عنها غفلة وتكبرا فأصابتهم مختلف الأمراض وشتى الأسقام وعمهم الديجور ولفهم الظلام؟ وما أحسن ان نختم هذا المقال بآية عظيمة تضمنتها هذه السورة النورانية التي لا يجوز ان يخفى معناها ومقصدها عن كل مسلم ذي عقل مفكر ناضج سليم(يا ايها الذين امنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد ابدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم)