الأمين الشابي يكتب: بئس الأوطان التي كلابها أوفى من أهلها…

الأوطان

كتب: الأمين الشابي

الوطن غال ولا بديل عنه، مهما كانت الأسباب وإن جار علينا و شعرنا بالظلم والغبن من قبل زبانيته وحكامه و آباطرته و مستكرشيه و سارقيه ومحتكريه و فراعينه، فهم، مهما طال الزمن إلى زوال و نهايات تعيسة و مؤلمة في انتظارهم…

فأين فرعون ذاك الذي طغى و تجبّر؟ و أين هتلر و أين أمراء الحرب جميعا؟ و أين سارقي لقمة العيش للشعوب؟ وأين من حكموا الأوطان بقبضة من النار و الحديد؟ وأين من خانوا أوطانهم لفائدة أعدائهم؟ فقد حوتهم في النهاية مزابل التاريخ مهما كانت أياديهم طائلة ومهما كانت غطرستهم فكلها إلى الفناء آيلة.

عملاء!

ومن بين كلّ هذه الصفات غير الحميدة التي جعل منها البعض منهجا له للمس والعبث بالأوطان والشعوب…سنتناول في هذه الورقة  موضوع العملاء الذين خانوا أوطانهم و طعنوه في مقتل. هؤلاء هم موجودون منذ العصور الغابرة و إلى يومنا هذا، ولكن مع تغيير الأساليب و التكتيكات في خيانة الأوطان.

هل سمعت عن كلب خائن ؟

لم تكن القصص عن وفاء الكلاب بالشئ المستحدث على المجتمعات والبيئة العربية، فهذه القصص تضرب بجذورها في عمق التاريخ العربي، من الجاهلية إلى انتشار الإسلام في شبه الجزيرة وصولاً إلى الخلافات الإسلامية المتعاقبة،  والتاريخ الحديث حتى صفحات فيسبوك لازالت تحدثنا كل يوم عن قصص لوفاء الكلاب حيث  يذكر المؤلف ابن المرزبان المحولي في كتابه ” تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب ” العديد من القصص التي تتحدث عن فضل الكلاب على أصحابها، والوفاء لهم ، وغيرها من القصص المليئة بالعبر عن الخير في مصادقة الكلاب وتربيتها…
بيد أنّ السؤال في مجالات الخيانة هي كثيرة و لكن ما يهمنا طرحه، هو خيانة  الأهل  للأوطان ؟ هل هي توقفت في يوم ما و انتهت أم مازلت البعض يرتئيها؟

تعريف خيانة الأوطان والخائن:

خيانة الوطن في القانون هي الجريمة التي تشمل أعمالا متطرفة ضدّ الدولة أو السيادة و يعرف  الشخص الذي يرتكب الخيانة في القانون بالخائن. وتنص قوانين العديد من الدول على أنواع مختلفة من الخيانة. وتمثل الجرائم المتعلقة بالتمرد خيانة داخلية، ومن ضمنها الانقلاب، فيما تمثل الجرائم المتعلقة بالعدوان الأجنبي خيانة التعاون مع عدو خارجي بغض النظر عن محل إقامة المواطن بالداخل أو الخارج. أما الجرائم المتعلقة باستمالة العدوان الأجنبي فهي جريمة التواصل مع الأجانب سرا للقيام بعدوان أو تهديد أجنبي. و  تُضاف إليها  نظرية  المؤامرة .
ولا توجد كلمات أو عبارات توصف حاكم في بلد ما يستدعي قوى أجنبية لتحتل بلده ووطنه مفتخرا بها و أملا في توطيد سلطته المتهالكة على الرغم من غزارة مفردات اللغة العربية ودلالاتها، إذ أن كلمات الخيانة و اللا وطنية وغيرها لا تفي بالحاجة للتعبير عن تلك الحالة بل أصبح من المؤكد أننا نحتاج إلى تعريف الخيانة حتى لا نتجادل في بيئة خطابية غير قابلة للتداول وكل منا يغني على ليلاه خاصة ونحن في زمن انقلبت فيه المفاهيم وسقطت فيه القيم وانهارت فيه المنظومة الأخلاقية.
وتتعدد صور الخيانة بتعدد من وقع عليه فعل الخيانة وأقبح صور الخيانة هي خيانة الوطن لأن من وقع عليه الفعل هنا هو الوطن فعندما تكون الخيانة بحجم الوطن تكون الدناءة والانحطاط واللؤم والخسة التي تنطوي عليها نفس الخائن، ومن هنا كانت خيانة الوطن خيانة عظمى. وعندما ينطمس معنى الوطن والوطنية في الأنفس والقلوب والعقول والوجدان فلا غرابة عندما تقع الخيانة، فالوطنية كلمة لا معنى لها في أخلاق كائنات بشرية تظهر بيننا كالفقاعات بين الفنية والأخرى لأن الوطن عندهم ليس ذلك الوطن السليب الذي يعاني شعبه ويلات الغزو والعدوان والعمالة والارتزاق. لأن الولاء عند هؤلاء هو للدولار. فلا ولاء ولا انتماء الأرض أو وطن وإنما مطلق الولاء والانتماء للذاتية والبحث عن السلطة بأي ثمن.

جريمة كبرى

كل شيء يهون إلا خيانة الوطن فهي جريمة كبرى لا تغتفر، وكل عمل مشين يمكن للمرء أن يجد مبرراً لفاعله إلا خيانة الوطن لا مبرر لها ولا شفاعة لمرتكبها مهما كانت منزلته ومهما كان السبب الذي يدفع لها، فهو أبدا لا يشفع أن تبيع وطنك وتتآمر عليه،  فالوطن بمنزلة العرض والشرف للإنسان ومن هان عليه وطنه يهون عليه عرضه وشرفه. وما من عُرف أو دين أو عقيدة أو فكر يبرر لك خيانة الوطن، إنه العار نفسه أن تخون وطنك ومهما كان عذرك للخيانة. 

بئس الأوطان التي كلابها أوفى من أهلها

للأسف الشديد تعيش بلادنا العربية على الكثير من صور الخيانات التي تمّس أوطاننا في العمق. وما قصص بعض الخونة الذين طعنوا أوطانهم في الظهر إلاّ دليل قاطع على أنّ جريمة الخيانة لم تنقطع قديما و حديثا.
ولنا أمثلة كثيرة لعلّ أقصاها ما عاشه العراق و سوريا و ليبيا و اليمن، وهذه الخيانات كلّفت الأوطان غاليا ولا فائدة في ذكر البعض منها و قد مرّت بها جلّ دولنا العربية و خاصة في زمن ما يعرف ” بالربيع العربي” الذي كلّف الأوطان ما كلّفه من إعادة استعمار البعض منها و اختراق الدول المارقة لأبسط أسرارها فضلا عن انتشار الفوضى في هذه الأوطان و القتل على الهوية و قطع الأرزاق و سرقة المال العام و اهدار قدراتها المختلفة و التسبب في ارجاعها إلى الوراء لعشرات السنين و بالتالي في تخلفها و الهائها عن قضاياها المصيرية.
وما انتشار الإرهاب و تقويض أركان بعض الدول وسرقة مقدراتها و انتشار الحروب و الفوضى هنا و هنالك إلاّ تجسيدا لبعض تجليات هذه الخيانات ضدّ الأوطان؟ و لكن ما يحزّ في النفس هو إتيان هذه الخيانات ممن يعيشوا بيننا و من بني جلدتنا،  و قد تعلموا بمدارسنا وعملوا بمؤسساتنا المختلفة  و استمتعوا بدفء الوطن و ببحره و شمسه و استقراره و خيراته و لكنهم خانوا الماء و الملح بل خانوا الوطن و ما أدراك من الوطن؟  و الغريب في الأمر و أن جلّ الخونة أقسموا على دساتير بلدان على تأدية مهامهم بتفان و إخلاص و مراعاة   مصالح الشعب و حفظ ثروات الوطن و العمل على صيانة الحقوق و الحريات و الالتزام بتطبيق القانون على الجميع بلا  ميز .    أ و ليس  الكلاب أوفى من هؤلاء الخونة الذين لا يتحرجون من طعن أوطانهم في مقتل؟

كلمة الختام

خيانة الأوطان جريمة كبرى لا تُغتفر، فحب الوطن فـرض والدفاع عنه شرف وغاية، ولا يوجد أمرئ يحب وطنه ولا يهب للدفاع عنه في أوقات الشدة والتصدي  للأعداء ، وتسجيل البطولات الخالدة والوقوف في وجه من يطمعون في خيرات الوطن وسرقة ثرواته قديمًا وحديثًا، وكثيرًا ما يضحي المرء بحياته في سبيل رفعة شأن وطنه ليغدو بطلاً شهيدًا يكتب اسمه بأحرف من نور في صفحات التاريخ والخلود، تتذكره الأجيال جيلاً بعد جيل. غير أن هناك في كل زمان ومكان من يرتضون لأنفسهم الإقدام على خيانة أوطانهم وأمتهم وشعبهم وبيع ضمائرهم وتاريخهم الشخصي إن كان لهم تاريخ وشخصية، والتعاون مع أعداء الوطن والتاريخ والحقيقة، لينالوا الخسران والعار والخجل في الحياة الدنيا والآخرة.
إن خيانة الوطن جريمة لا تغتفر ومن يقدم عليها يستحق أقسى العقوبات، وخاصة من يضعون أيديهم في أيدي العابثين المفسدين ويعينونهم على العبث بمقدرات بلدهم وزعزعة استقرارها في سبيل أفكار متطرفة منفصلة تمس بأمن الوطن وغايتها زعزعة الحكم ومخالفة ولاة الأمر ؟ فإن أعمال هؤلاء الخونة يجب ألا تمر من دون عقاب وإن أيدي العدالة يجب أن تنالهم أينما ذهبوا ومهما استمروا في غيهم وضلالهم. وإن مصير الخونة إلى زوال وثمن الخيانة كبير يجب أن يتحمله من باع ضميره ووجدانه وأدار ظهره للوطن والأمة.