الأمين الشابي يكتب: عندما تتحوّل الحصانة إلى حصان!!؟

كتب: الأمين الشابي
عموما، الحصانة البرلمانية هي نوع من الحماية القانونية التي يعطيها الدستور لنواب الشعب في البرلمان كنوع من الحماية السياسية والقانونية حتى يستطيع النائب أن يؤدي وظيفته الدستورية كاملة، بعيدا عن أي تأثير أو أي ضغوطات تذكر. وتاريخيا، ظهرت الحصانة البرلمانية في إنجلترا عام 1688م على أثر قيام الثورة الإنجليزية وإقرار الوثيقة الدستورية المعروفة بقانون الحقوق و التّي نصت على أن حرية المناقشات و الإجراءات داخل البرلمان لا يمكن أن تكون سببا للملاحقة القضائية أو محلا للمساءلة أمام أي من المحاكم وإقرار هذه الحصانة في إنجلترا كان أساسا لحماية النواب من سلطات الملوك وليس حمايتهم من مواطنيهم. و استثنت من نطاق هذه الحصانة قضايا الخيانة العظمى وقضايا الجنايات وقضايا الإخلال بالأمن. وعليه، كان من الممكن القبض على عضو البرلمان في أي من هذه الجرائم دون رفع الحصانة عنه.
وفي تونس أيضا كفل دستور البلاد لسنة 2014 لأعضاء مجلس نواب الشعب حصانة خاصة في بعض الأحكام المقررة في التشريع الجنائى وذلك في حالتين :
الأولى:
عدم مؤاخذة أعضاء مجلس الشعب عما يبدونه من الأفكار والآراء في أعمالهم في المجلس أو في لجانه وهو ما يطلق عليه عدم المسؤولية البرلمانية.
الثانية:
عدم جواز اتخاذ أية إجراءات جنائية ضد عضو مجلس الشعب – في غير حالة التلبس- الا بإذن سابق من المجلس، ولكن تزول الحصانة عن عضو البرلمان إذا ضبطت الجريمة في حالة تلبس إذ أن حالة التلبس هي حالة تسقط معها كل الحصانات لأن الجريمة تكون مؤكدة ومرتكبها معروف وبالتالي لا توجد أية شبهة أو مظنة للكيد. والتلبس المقصود هو المنصوص عليه في قانون الإجراءات الجنائية بحالاته الأربع وهي:1 – مشاهدة الجريمة حال ارتكابها 2ـ مشاهدة الجريمة عقب ارتكابها ببرهة يسيرة 3ـ تتبع الجاني إثر وقوع الجريمة و 4ـ مشاهدة مرتكبها بعد وقوعها بوقت قريب حاملا أدلة الجريمة.
ومن هذا المنطلق الدستوري و القانوني – و ليس هذا يعني أنّنا سننصب أنفسنا و نحكم – و لكن انطلاقا ممّا أتاه بعض نوابنا الأشاوس، أمّا عن عدم إدراك و عدم و وعي أو بإدراك كامل – ألا يعد ذلك انزلاقا أوّلا في تصرفات بعض نواب الشعب و انزلاقا أيضا بمفهوم الحصانة البرلمانية التي أحاط به الدستور و القانون نواب الشعب عند ممارسة مهامهم و عما يبدونه من الأفكار والآراء في أعمالهم في المجلس أو في لجانه..؟ فما أتاه على سبيل المثال النائب في ائتلاف الكرامة في رحاب المطار هل يدخل حسب اعتقادنا ضمن الأعمال التي يتمتع فيها النائب بالحصانة البرلمانية؟ و هل ما أتته أيضا أحدى نواب الشعب لحركة النهضة و أيضا بالمطار في مرّة سابقة يعدّ أيضا ضمن أعمال النواب المحصّنة؟ و ما تجرّأ على تسريبه نائب آخر من تصريحات خطيرة في حق رئيس الجمهورية يدخل تحت طائلة الحصانة البرلمانية؟
أمام كلّ هذا، ودون أن ننصب أنفسنا مكان القضاء أو مكان الجهات المعنية بهذا الشأن حول الحصانة البرلمانية التي أقرها الدستور و القانون لفائدة نواب الشعب، نقرّ بأنّ بلادنا تشهد منذ هذا العقد الأخير انفلاتا لا مثيل له طال كل المجالات و يبدو لي أنّ أخطر انفلات تشهده بلادنا هو التلاعب من قبل بعض نواب الشعب بمظلة الحصانة البرلمانية و فهمها في المطلق رغم تحديد الدستور و القانون الجزائي لحدودها و مجالاتها. و لكن يبدو أنّ بعض نوابنا الأشاوس ركبوا على الحصانة كما يركب الفارس الحصان و لكن حذار فالفروسية لها شروطها و تقنياتها و فنونها و حدودها أيضا، فقد يسقط الحصان و قد يستعصي على راكبه فيسقط الفارس أرضا لأنّه لم يحترم التقنيات الخاصة بالفروسية و لذلك كان عنوان هذه الورقة ” الحصانة و الحصان ” لتشابه الحدود بين الحصانة و فنّ الفروسية فحذار من الركوب على الحصانة فقد تكون مصيدة لبعض المتهورين؟