الشاعر كمال بوعجيلة: أنا أتنقل في الزمان و المكان… ولا يهمني رصد تحولاتي الشعرية  

كمال بوعجيلة

كتب: شمس الدين العوني

الكيف للشعر أن يستوعب الذات في حلها و ترحاله و كيف لقصيدة ما أن تكتب الذات في هيجانها الرجيم على ما هو ساكن و مجتر ..هي فقط فكرة الكتابة تجترح من الأرجاء ما يعلي من شأن هذه الذات و هي تلهث خلف السراب الجميل..ثمة شجن و قلق و نظر و تأويل و حلم يانع ..ثمة موسيقى بلا تواريخ تعلو لتبتكر عطورها النادرة و هي تتوزع على الآفاق معلنة نواحها الخافت…مثل نشيد قديم من ذهب الأزمنة حيث الإنسان كتلة أمنيات و خسارات جمة…و أحلام قاتلة.

الشعر هذا المسافر في الأكوان من قدم لا يضاهى الى الآن و هنا يبتكر قائليه و مريديه و فتيته الشرسين في وداعة أحوالهم و سيرهم الناعم نحو الأشياء و العناصر و التفاصيل…

احتفاء بالشعر

هذا هو الشعر من فرجيل الى الآن و غدا..غير معني سوى بالكينونة تلهج بالأسماء و العلامات و الأفعال و الذكرى ..حالة نادرة من بين الحالات الإنسانية في تعاطي الكائن مع الحياة…كون من أسئلة و من كل شيئ تجاه الحيرة الكبرى..ترتيب الكلام و الكلمات على نحوها الشعري..و وفق هناءات ذوات قوية منكسرة صلبة مفجوعة صامدة هشة عالية منخفضة تقوى على كل شيء لممكن السقوط دونه…

لا علينا..هكذا نلج عوالم لقاء شعري حول شاعر في “عز القائلة ” مثلما عن لمجانين الشعر و أحواله الاحتفاء بذات شاعرة في خصوصية بينة لسيرتها و المسيرة الشعرية الحافة بها..كان ذلك ب”كهف” دار الثقافة ابن رشيق هذا المكان النادر في تاريخه الثقافي حيث شهد لقاءات و حوارات و نقاشات ثقافية فنية و ابداعية فترات الثمانينات ..في الأدب والمسرح و الموسيقى ..

أنسى الشعر و حميمية اللقاء الحاضرين حرارة الطقس لينهمكوا مثل أطفال جدد و بلا ذاكرة في نقاش و حوار و أحاديث ممتعة حول السيرة الشعرية و التجربة الابداعية لشاعر تغمره الطفولة و جمال القصيدة و الحلم المقرون بالفرح المنسي..

لقاء استثنائي

هو لقاء استثنائي تم بداية من الساعة الثانية و النصف من يوم الاربعاء 8 جوان الجاري ليتواصل الى المساء بحضور نقاد و شعراء و اعلاميين ضمن نشاط ” نادي مؤانسات ” بادارة الأديب عمر السعيدي لتكون المتعة الثقافية الشعرية الأدبية و الوجدانية حيث قدم الكاتب و الناقد نورالدين الخبثاني دراسة قيمة و ذكية في تعاطيها مع حيز من تجربة الشاعر المحتفى به و نعني الشاعر الجميل كمال بوعجيلة ..

نورالدين الخبثاني اهتم في مداخلته بخصوصية الكتابة الشعرية منذ الثمانينات عند كمال و رغبته في أن يبتكر لنفسه نهجا شعريا مخصوصا و سماه شمسه الخاصة ضمن سعي ككل شاعر يروم الفرادة بما يضيء شيئا من عتمة الحياة مشيرا الى انخراطه في النهج الحداثي المحفوف بالحرية و الأسئلة تقصدا لصوت مختلف قائلا انه ” شاعر لم تعبده القبيلة ” ..

كما تطرق ومن خلال الاستشهاد بنصوص شعرية لبوعجيلة الى ذهاب الشاعر تجاه اسعاد و سعادة الانسان شعريا مبرزا استبطان الشاعر لحالات القلق و المساءلة و الارتياب

و منذ التنشئة الشعرية و الخروج عن ” القبيلة ” ليحضر الحنين و الانثى لينتهي الى التحول الحاصل في تجربة الشاعر مشيرا الى ” كتابة الشاعر كمال بوعجيلة لما يسمى بنشيد الحرية الانسانية وفق تجدد و تحول بين في تفرد نصي شعري من حيث جملة المعارف و الأفكار..”.

اثر ذلك تداول على النقاش عدد من الحاضرين منهم الأزهر النفطي و وحيدة المي و شمس الدين العوني و لسعد بن حسين و بوبكر العموري و عثمان الجلاصي الشريف ليشيروا إلى جوانب من تجربة الشاعر و مناقشة ما ورد في مداخلة نورالدين الخبثاني مبرزين ثراء و خصوصية الكتابة الشعرية لبوعجيلة في همومها الأدبية و الانسانية و الفكرية السياسية..ليتحدث اثر ذلك الشاعر الضيف كمال في معرض إجاباته عن جملة ما ورد من أسئلة الحضور و ملاحظاتهم و ليتحدث كما لو يتحدث من قبل في صراحة هي من شيم الشعراء الذين تمرسوا بأحوال الكتابة و الحياة وفي غير تكلف و ادعاءات و نرجسيات لشعراء نصف موهوبين و متسرعين عن الشعر و الكتابة..كان كمال متحدثا بارعا في بساطة و عمق و “طفولية ” عالية عن الكتابة و الشعر و الطفولة و يشير في شاعرية باذخة الى ضرورة التخلي عن تلك القوالب و التعريفات و المفاهيم البالية التي رافقت الشعر و الشعراء متسائلا ” أنا أتنقل في الزمان و المكان و في سفري هذا لا يهمني أو يعنيني رصد تحولاتي الشعرية و متغيرات الكتابة و التجربة فهذا مجال النقاد و الباحثين..”..

حالة من الغربة

كما أشار في ردوده الى أجوبته بشأن أسئلة و قضايا عن الشعر و الحياة الى ما ورد في حواره مع وحيد تاجا لصحيفة “الوطن” العمانية بشأن سؤال هو (يعيش الكثير من الشعراء، بعد عودتهم من الخارج، حالة من الغربة داخل أوطانهم، سواء على الصعيد الاجتماعي والثقافي وأيضاً الفكري والإنساني. هل تعيش هذه الحالة. ومتى يشعر الشاعر بغربة في وطنه .. وكيف تكون علاقته مع هذا الوطن عندها…؟) ليقول :  (ربما عشتها قبل أن أغادر، وقد تكون غربةً أقصى وأشد لأنها تراكمت عبر السنين والوقائع. مجتمعاتنا تعيش ركوداً قاتلاً منذ ما يزيد عن عشرة قرون، فكيف لا يشعر من يحاول نبش الرماد فيها بالغربة، وربما هذه الغربة هي ما يدفعنا إلى الرحيل ليس بحثاً عن الرفاهية والعيش السهل كما يبدو للكثيرين، وإنما لفتح آفاق أرحب وأجدى للكتابة والتفكير.بعد العيش هناك والعودة ينفتح الجرح أكثر وتزداد الحساسية تجاه هذا الانغلاق والتحجر وتصبح العلاقة شبه مستحيلة مع المحيط وأعني هنا الناس أي المجتمع، لذلك ترى معي أن أغلب من هاجر من كتاب وشعراء وفنانين على اختلاف مواقعهم وتوجهاتهم تخيروا البقاء هناك فيما يشبه المنفى مفضلينه على أوطانهم الأصلية هذا يفهم في سياق ما يحدث من تحجيرٍ للفكر وتحنيط للعقل ومنع للبحث والاستقصاء، كل شيء جاهز منذ السلف وليس لنا إلا الاقتداء بهم، لا ترى كم هو مخيف هذا التشويه المبرمج للحياة.) و بخصوص سؤال آخر فحواه (*وكيف تعاملت مع إشكالية الأصالة والمعاصرة خلال تجربتك الشعرية…؟) ليجيب قائلا 🙁 الأصالة ليست الماضي وكليشيهاته المفرغة من أي معنى والمعاصرة ليست التقليد الأعمى والمبتور لكليشهات العصر، لذلك لا أرى أي تناقض بينهما، انهما معاً الجانب المضيء والانساني في تجارب كل الشعوب قاصيها ودانيها.

الأصالة هي التجذر والانتماء لكفاح الانسانية الكبير والمتواصل لأجل حياةٍ أفضل وحرية أسمى وتفاعل أرقى مع الطبيعة والكائنات، والمعاصرة هي الاندماج العقلاني الواضح مع المنجزات والابتكارات التي تخدم الانسان وترقى به مادياً ومعنوياً. هكذا أفهم هذا الثنائي، ولا أستسيغ ما يروجه البعض من تناقض وصراعٍ وفوضى بين هذين المفهومين في حين أن الصراع قائمٌ بين الإنساني اللاإنساني منذ القديم في كل المجتمعات والشعوب.)…و قرأ الشاعر كمال بوعجيلة جانبا من قصائده  الجديدة و العذبة انسيابا و جمالا ..و في ايقاعها الخفيف و المحبذ للنفس المرهقة بالراهن و أحواله الشتى..هذا هو كمال الذي كان معنا و عرفناه الشاعر منذ الثمانينات ..انه الشعر زمن الخديعة بل أزمنتها ..شعر في مواجهة القلق..شعر يذهب للقلق ..ليبقى رجع صدى القصائد التي أختزلها أنا في جمال و روعة هذا المقطع من النص البوعجيلي العالي “…لماذا اذن…تخدع امرأة الحلم…نرجسها…” .

بوعجيلة .. شاعر مختلف و عميق و حضور مميز لعارفين بتجربة الضيف …و لقاء استثنائي أذهب عن الأنفس و الاجسام حرارة صيف تونسي ..الشعر هذا البهاء النادر يفعل فعله ..في اللغة..في الكلمات..و في الناس.