الصحبي بن منصور يكتب عن منتدى أبو ظبي للسلم: ‘عولمة الحرب وعالمية السلام’…

منتدى أبو ظبي للسلم

كتب: د. الصحبي بن منصور

عاش المؤمنون بالسلام العادل في العالم على امتداد أيام 8و9و10 نوفمبر 2022 على إيقاع أشغال الدورة التاسعة لمنتدى أبوظبي للسلم الذي تمحور هذه السنة حول شعار: “عولمة الحرب وعالمية السلام”.

شخصيات عابرة للقارات

وقد شارك أكثر من 500 باحث ومفكر وناشط في المجتمع المدني بكافة القارات في فعاليات هذا المؤتمر العالمي ممثلين عن 60 دولة، علاوة على مشاركة أكثر من ثلاثين منظمة إقليمية ودولية معتبرة في صناعة السلام وفي بذل المحبة والتسامح للبشرية.
وقد اشتمل البرنامج العام للمؤتمر على معرض لأنشطة المنظمات العاملة في مجال السلم وعلى ندوة شارك فيها وزراء وقادة دينيون كبار في العالم بمداخلات تمحورت حول أزمة النظام العالمي والتحديات الأمنية الجديدة، وحول التحديات الحيوية للسلم العالمي (الغذاء – الصحة-البيئة)، والأمن الثقافي العالمي والتحولات الرقمية، ودور القيادات الدينية في تحقيق السلم العالمي، وضرورة الشراكات لتحقيق السلم العالمي، والأمن الروحي والتحديات النفسية، وعولمة الحرب.
كما اشتمل برنامج هذا المؤتمر الذي ينعقد سنويا تحت إشراف سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولية بدولة الإمارات العربية المتحدة على ورشات تناولت المواضيع الآتية:
المبادرات والشراكات في خدمة السلم العالمي، والأمن الروحي والأخلاقي في مواجهة عولمة الحرب، والتضامن الإنساني وعالمية السلم، والقيادات الدينية والروحية والسلم العالمي، والشباب ومقتضيات السلم العالمي، والمرأة ومقتضيات السلم العالمي، والمشكلات النفسية وعولمة الحرب.
ولا شكّ في أنّ كل محاور هذا الملتقى تسعى إلى تجسيم القول القرآني: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (سورة البقرة:208)…

تحويل السلام من شعارات إلى أدوات

وخلال موكب الافتتاح شدّد العلامة عبد الله بن بيه رئيس “مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي”، ورئيس “منتدى أبوظبي للسلم” في كلمته بالمناسبة على أهمية تكاتف جهود النخب الدينية والعلمية في معاضدة دور القادة السياسيين لنزع فتيل الحروب والاضطرابات في مختلف مناطق العالم، مشيرا إلى أنه يجب مقاومة الحروب بالسلام.
وأبرز أنّ محط الرهان في هذا المؤتمر الدولي يتمثل أساسا في الاستئناس بتجارب وخبرات وأفكار المشاركين فيه من مختلف البلدان والمسؤوليات وفي الأخذ بجدية مقترحاتهم العالمية.
ومن جهته بيّن الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية والأمين العام لرابطة العالم الإسلام أنّ ما يحتاجه اليوم عالمنا في ظل وضع عالمي متأزم هو تحويل السلام من شعارات إلى أدوات إصلاح وتغيير للحياة من حالة الحرب إلى حالة السلام التي يُستطاب معها العيش.
وكان السيد وزير التسامح والتعايش في دولة الإمارات الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان قد أكد لدى إشرافه على افتتاح هذا المؤتمر الدولي على أنّ هذا النشاط الفكري يتنزل في إطار الحرص على بذل السلام عن طريق بناء جسور حقيقية للحوار تقوم على الاحترام المتبادل بين الأفراد والأمم والحضارات والأديان، باعتبار أن الحوارات الايجابية هي السبيل الحقيقية اليوم لمقاومة التحديات العالمية الراهنة.

أبو ظبي عاصمة للسلام العالمي

وكان هذا المؤتمر الذي يترجم حرص أبو ظبي على أن تكون عاصمة للسلام العالمي مثالا ملموسا وأهلا لأن تنسج بقية مدن العالم على منواله.
ولا ريب في أنّ نجاح أي مشروع حضاري طموح سواء كان وطني الحدود أو دولي الأبعاد يبقى رهين تضافر الإرادة السياسية الصادقة صلبة مع الطرح الفكري الشجاع للنخب العلمية والقيادات الدينية.
إنّ ما يشد مُواكب هذا النشاط الفكري الدولي الهادف هو أنه صادر عن عالم كبير هو الشيخ عبد الله بن بية صاحب التأليف المتميزة التي تشي رغم بلوغه سن التسعين أنه مُجدّد عصره ليس في الفكر فحسب وإنما أيضا على صعيديْ الكتابة والمنهج، وأنه  كذلك من الجيل الذهبي الذي أفرزته الحرب العالمية الأولى فكان جيلا مُعمّرا، ومن طينة رائعة عرفنا أمثالا كثيرة لها بتونس في الجيل الذي بنى دولة الاستقلال والتحق جُل أبنائه في السنوات القليلة الأخيرة بالرفيق الأعلى، وبقي البعض الآخر على قيد الحياة حفظهم الله تعالى ليواصلوا رسالتهم في تعمير الأرض بخدمة العباد والبلاد.
فابن بية لمَن لا يعرفه مِن هذه الأجيال الجديدة هو أحد كبار علماء المالكية في عصرنا الراهن بل أكبرهم بلا منازع، وقد أراه صورة حديثة عن الإمام مالك بن أنس الذي كان معززا لدى حكام زمانه من بني أمية إلى بني العباس من أبي جعفر المنصور حتى هارون الرشيد اعتزاز المستكفي بعلمه، الحافظ لدينه، والخادم به للمسلمين خاصة وللبشرية عموما.
وصدق الشيخ أبو عبد الله محمد الأنصاري الرصاع إمام جامع الزيتونة وقاضي الجماعة في العهد الحفصي الذي قال لابنه ناصحا خلال القرن التاسع للهجرة: بإتباع طريق العلم لأنّه طريق الله تعالى الذي يعمّ بواسطته النور على الإنسانية جمعاء: “يا ولدي رأينا الملوك تتصاغر لهم (العلماء) وينزلون إلى دورهم ويقبلون أكفهم”.
والذي نرمي إليه هنا هو بيان أنّ للعلم سلطان وللعلماء عزّ الأنبياء. وأنّ طريق العلم هو طريق الخير الذي لا نهاية له، وأنّ أحكم الحكام مَن يستنير بفكرهم ويستظل بهديهم ويرجع إلى رأيهم. كما أنّ التجمّل بالعلماء في مجالس الحكم هو بلا ريب مفتاح نجاح البلاد والعباد الذي لا يتلقاه إلا ذو حظ عظيم.

من هنا يبدأ السلام

وبناء على ما سبق فإنّ الأفكار إذا تخطت البرج العاجي لصاحبها ولامست الواقع المعيش بحرارة ناره صارت جزءا من سلوكيات الناس ونمطا في العيش.
 وهو الأمر الذي نعاينه مثلا في هذا المؤتمر وما اشتمل عليه من أنشطة متنوّعة، كان المُعوّل في تنفيذها على نخبة صارت مختصة في التنظيم، كان العلامة ابن بية قد عرف كيف يؤلف بين عناصرها الشبابية حتى غدت نسيجا لطيف التناغم، شديد النجاعة، من باحثين ودكاترة من موريتانيا والمغرب والجزائر والإمارات ومن عدد من الدول العربية الأخرى.
بل وأيضا وهو المنشود من مثل هذه التظاهرات المساهمة في تغيير المشاركين فيها لطريقة تفكيرهم بشأن التعامل مع المخالفين لهم، وتعديل خطاباتهم في سبيل الالتقاء معهم عند نقطة اشتراك تحقيقا للتعايش السلمي.
ويُشار في الأخير إلى أنّ هذه الدورة التاسعة من منتدى أبوظبي للسلم  قد شهدت تنظيم معرض دولي لمنظمات تُعنى بصناعة السلام، تكفلت هيئة المؤتمر بتصميم المطويات والكتيبات الخاصة بأنشطتها وطباعتها، إلى جانب إنجاز أجنحة أنيقة مؤثثة بأحدث التكنولوجيات الحديثة، الحال الذي مثّل إضافة لهذه الدورة، حيث شكّل هذا المعرض فضاء رحبا للتعارف وتبادل الأفكار وإبرام اتفاقيات تفاهم وتعاون والتخطيط للعمل المشترك العابر للقارات في سبيل إعلاء الحوار بين أتباع ديانات مختلفة، وتحقيق التقارب بين المختلفين وحتى بين الأعداء، إلى جانب تكريس الاعتدال والتسامح وتوسيع دائرة التحلي بالحكمة بين الحكّام والمحكومين، وبين الأمم والأفراد والمؤسسات.