الفاضل الجعايبي: لا أشاهد التلفزة مطلقا حتى أحمي نفسي من تلوثها العارم!

كتب: نوفل سلامة
في حوار معه على إذاعة ” إ . ف . م ” اعتبر الفنان المسرحي المعروف فاضل الجعايبي أن التلفزة فكرة ابتدعها العقل البشري لإلهاء الناس، فهي استهلاكية بالأساس وقد جعلت لتستجيب لذوق السواد الأعظم من الناس لذلك فهي مبنية على عملية تجارية كبرى، تجارة الدعاية في عمومها ومنها الدعاية السياسية والدعاية الإشهارية للمواد الاستهلاكية لمختلف الماركات التجارية فهي قد وُجدت للاستحواذ على عقل الإنسان والسيطرة عليه ثم توجيهه وبعد أن يهضم المشاهد ما يُقدم له يلوذ إلى النوم دون تفكير وهو بذلك يتعرض إلى عملية تخدير كبرى من دون أن يشعر.
ما يحصل مع المشاهد للتلفزة هو أن الفرد يتعرض إلى عملية تسمم يوما بعد يوم وخلال هذا التسمم بالإلهاء يقوم بعملية ترضية مجانية للجميع فهو يرضي من كان وراء الإشهار ومن يدير التلفزة والمخرج والمنشط للمنابر مهما كان لونها سياسية كانت أم اجتماعية .. ما يحصل هو عملية تخدير سلسة يتعرض لها الفرد تجعله لا يتفطن إليها ليستغرق فيما تم برمجته من أجل السيطرة عليه والتحكم فيه.
التلفزة اليوم كارثة من أكبر الكوارث فهي قد غزت العالم ويزيد وقعها وتأثيرها في البلدان المتخلفة فيزيد تخلفها… أنا شخصيا لا أشاهد التلفزة ولا أتابع ما يقدم فيها من برامج .. والسبب في ذلك أني أخشى على نفسي من هذا التسميم وهذا التخدير المتواصل لذلك تجدني أخيّر مطالعة كتاب أو مشاهدة فلم .. أفضل التجوال مع كلبتي أو مع زوجتي وابنتي فهذا أفضل لي من البقاء قابعا لساعات أمام التلفاز.
مقاطعتي للتلفزة هو تصرف مقصود مني حتى أنجي نفسي من هذا التلوث العارم وفي المقابل يوفر هذا التخلص من أسر التلفاز التعرف على المجتمع في أدق تفاصيله بمراقبة حديث الناس .. كيف يلبسون .. كيف يتصرفون .. كيف يتخاصمون وكيف يستهترون بالقيّم الحقيقية ويستهترون باللغة وبالثقافة و بأصالتنا و بثلاث وثلاثين حضارة مرت على تونس خلال 3000 سنة حضارة لا أحد يعرف عنها شيئا لتبقى مجهولة إلى اليوم ولا أحد يلتفت إليها.
التلفزة لا تقدم حصصا فكرية ولا ثقافية متقدمة ولا أفلام وليس هناك أي مسرحية تعرضها مختلف القنوات.. التلفزة اليوم تخدير وإلهاء ووسيلة للسيطرة لا غير….
هذا رأي من شخصية معتبرة ولها حضورها في الساحة الثقافية وفي المشهد الفني الإبداعي قد نختلف معه وقد نتفق وقد نعتبره مغاليا كما نراه صائبا يعبر عن الأزمة الإعلامية التي يعرفها المشهد السمعي البصري بعد أن غزت تلفازاتنا وقنواتنا الرداءة والتفاهة والسخافة والابتذال وتواضع المستوى الفني والإبداعي وبعد أن سيطر على هذا القطاع مجموعة من الأشخاص هم في عمومهم من التافهين ويكرسون الرداءة في غياب لأي عملية إبداعية ذات جودة فنية تفيد الناس وترقى بالذائقة العامة…
قد نتفق مع الفاضل الجعايبي في موقفه من التلفزة من حيث صناعة البرامج والمضامين والمحتويات جراء ما نشاهده من موجة التسطيح التي تحصل مع المادة الإعلامية المقدمة جاءت في سياق عام لإفساد الذوق العام وتسليع الحياة العامة والفن وجعله رخيصا لا ينفع ولا يقدم أي فائدة .. قد نتفق معه حينما ندرك أن من يقف وراء هذا المشهد التلفزي يعمل على تثبيت التفاهة والتوسيع من دائرة التلوث السمعي والبصري في عملية تقربه من لعبة تديرها أطراف جاؤوا في سياق تاريخي تتحكم فيه مجموعة من التافهين وسيطروا على كل مفاصل المجتمع وفي سياق عالمي سيطر عليه نظام اجتماعي وسياسي اتسم بالتفاهة و الرداءة في كل شيء وسيطر عليه التافهون في كل الميادين والقطاعات فغيب الأداء الرفيع وهمشت منظومات القيم وبرزت الأذواق المنحطة وأبعدت الأكفاء وخلت الساحة من المبدعين الحقيقيين فتسيّدت في غياب ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية وفي هذا السياق نفهم موقف فاضل الجعايبي من القنوات التلفزية الذي يتفق فيه معه كثير من التونسيين الذين سئموا التفاهة و الرداءة و السخافة واستبلاه عقل المشاهد والمتفرج.