الكاتب اللبناني راجح الخوري: أين قيس سعَيد اللبناني؟

كتب: راجح الخوري 

من أين نأتي في هذا البلد المنهوب الذي يكاد يسلم الروح، برئيس للجمهورية مثل الرئيس التونسي قيس سعَيد، الذي يشن حملة تطهير عميقة ضد المنظومة السياسية التونسية الفاسدة، والتي من المعيب مقارنتها بوحوش الفساد والنهب عندنا التي جعلت من لبنان مجرد جثة، هذا رغم كل الصراخ الفاجر الذي نسمعه من المسؤولين في الأعوام الأخيرة عن محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة؟

لست أدري ما اذا كان الذين يجلسون على مقاعد السلطة والقرار في لبنان، يملكون الوقت الكافي لقراءة ما يجري في تونس، والذي تؤكد الإحصاءات الأخيرة انه رفع شعبية قيس سعَيد الى 84%، في وقت من المعروف والواضح، اننا مهتمون وعالقون في عقد تشكيل الحكومات في لبنان بما يرتبط بخلاف على حقيبتين وزاريتين يراد ان تكون لهما كلمة حاسمة ومؤثرة خصوصاً مع اقتراب موعد الحساب الشعبي في الانتخابات النيابية، وكذلك في ما يتصل بعمل القضاء الذي تعرّض للتدخلات والوصايات السياسية، والذي يواجه اكبر التحديات لجهة التحقيق في جريمة العصر، أي في انفجار المرفأ، الذي قال الرئيس ميشال عون انه سينتهي في خمسة أيام، وها قد مضت سنة كاملة والمستوى السياسي غارق في ما يشبه الفضيحة المدوية، لجهة رفع الحصانات عن النواب وحتى عن المحامين، فحتى لنقابة المحامين حق منح الحصانة مثل مجلس النواب تماماً، ويا للسخرية المُرّة، وخصوصاً عندما يتحدثون عن وحدانية صلاحية هيئة محاكمة الرؤساء والوزراء، لتستقيم نظرية أيها المسؤول حاكم نفسك!

بالعودة الى تونس، اطلق الرئيس سعَيد معركة شاملة ضد الفساد والمفسدين، وطالب النواب والسياسيين ورجال الاعمال بإعادة الأموال المنهوبة، وذلك بعد ثلاثة أيام من تجميده اعمال البرلمان، وإعفائه رئيس الحكومة هشام المشيشي من مهامه وتولّي السلطة التنفيذية بنفسه، وجاء ذلك بعد ساعات من إعلان القضاء انه يحقق في اتهامات حول حصول ثلاثة أحزاب على تمويل خارجي هي “النهضة”، أي حزب راشد الغنوشي و”الإخوان المسلمين”، و”قلب تونس”، وحركة “عيش تونسي”، ومع ارتفاع الإلتفاف الشعبي وتأييد الرئيس بدا ان الغنوشي و”الإخوان المسلمين” الذين أرادوا استغلال “ثورة الياسمين” منذ العام 2011، قد فقدوا أهم وآخر معاقلهم في دول المغرب العربي، وهذا ما يعطي حركة الرئيس سعَيد الإصلاحية أهمية كبيرة لها انعكاسها على توازنات المنطقة!

ومع ابراز التقرير الذي وضعته “لجنة تقصّي الفساد” الحكومية، دعا سعَيد الذين نهبوا الأموال الموثقة بالأسماء وكان عددهم 460 الى إعادتها وقيمتها 13500 مليار دينار، أي حوالى أربعة مليارات يورو، وهو ما قد يدفع اللبنانيين لا الى السخرية بل الى البكاء على بلدهم ومستقبل أولادهم، ذلك ان هذا المبلغ سرقه مسؤول واحد او وزير او مقاول واحد في هذا البلد المتعوس!

يقول المحلل في “مجموعة الأزمات الدولية” ريكاردو فابياني، المتخصص بشؤون تونس، ان الرئيس بات يتمتع بشعبية مستدامة تجاوزت 80%، وهذا يعني انه سيمضي في قمع خصومه الفاسدين، ليصل الى إرساء تونس جديدة.

هل هناك في هذه الدولة الغاشية عندنا، مَن يقرأ ويستنتج شيئاً من هذا الدرس التونسي، الذي أعاد الى “ثورة الياسمين” معناها، أم اننا سنستمر في قراءة التصريحات التي شبعنا منها، عن استعادة المليارات الخمسين المنهوبة مثلاً من شركة الكهرباء وحدها والبلد في العتمة، وعن “التدقيق الجنائي” الذي يبدو انه لن يعيد قرشاً الى البلد المنهوب؟

 المصدر : ” النهار اللبنانية “