المنجي الكعبي يكتب لكم: تحقيق على تحقيق مخطوط «قطب» الرقيق القيرواني

كتب: الدكتور المنجي الكعبي

كتاب قطب السرور للرقيق القيرواني المتوفى في أواسط القرن الخامس الهجري، هو كتاب في الخمور، أوصافها ومنافعها ومضارها وأسباب تحريمها كما جاء في القرآن الكريم، ومذاهب الفقهاء في ذلك بين التشديد والتخفيف، قامت أخيراً الأستاذة الدكتورة سارة البربوشي بن يحيى من جامعة السربون بباريس بتحقيقه كاملاً في سنة 2007. ثم صدر في بيروت سنة 2010.

وكان هذا الكتاب في مجلدات في حكم المفقود كمعظم كتب الرقيق إلا ما عرف من نسخه المتأخرة زمناً لأحد جزأيه الأول أو الاثنين معاً في بعض المكتبات العمومية الأوروبية، الى أن ظهر جزء منه هو الثاني بتحقيق أحمد الجندي ظناً منه أنه الكتاب كله عن طريق المجمع اللغوي بدمشق سنة 1969، ثم ظهر بتونس في 1976 «اختيار» منه عن مخطوط بجامع الزيتونة بتحقيق عبد الحفيظ منصور. وكتبنا في حينه نقداً عليه وتصحيحات لبعض أخطائه. وكان المرحوم الشاذلي بويحيى تولى الكشف في الأول عن جانب من عيوب نشرة دمشق في مقال له بحوليات الجامعة التونسية.

وبقينا متعلقين بمن يهتم بالمخطوطات الأوروبية هذه لإخراج الكتاب كاملاً، خاصة وأن بعضها يتوفر على الجزأين معاً.

فاغتنمنا فرصة إتمام دراساتنا العليا بجامعة السوربون بباريس وانتمائنا في الوقت نفسه لوحدة البحث في تاريخ النصوص بالقسم العربي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي لطلب مصورات عن طريقه من مخطوط «القطب» من جميع المكتبات الأوروبية الموجود بها نسخ منه. فلم يبطئوا الرد. وكان التشجيع واضحاً لعلم أساتذتي بالمركز وبالجامعة بصدور تحقيقي في تونس العام نفسه سنة 1967 لقطعة مكتشفة من تاريخ إفريقية والمغرب للمؤلف نفسه الرقيق، عطفاً على عنايتي السابقة بمعاصريه من أدباء القيروان من أمثال القزاز والنهشلي ودراسة تراثهما وتحقيق بعض مؤلفاتهما البافية. وكانت نيتي الأولى من الحصول على كتاب «القطب» هو احتمال الوقوف فيه على قرينة جديدة تؤكد نسبتي القطعة التي حققتها للرقيق. وصدق تقديري حيث وجدت فيه ضالتي في أكثر من موضع، وكشفت عن ذلك في أول مناسبة. ولم يكن انقطاعي للتحضير للدكتوراه في ذلك الوقت ليجعلني أفكر في تحقيق الكتاب، لكن راوداتني فكرة تكليف أحد طلبتي في المستقبل به. ولم تكن كلية الآداب بالجامعة التونسية لتتسع لكثير من مشاريعي التي رجعت بها من الخارج لإحيآء التراث والاستفادة خاصة من بنك المعطيات للأسماء العربية في التاريخ الإسلامي الذي ساهمتُ في إنشائه ضمن الفريق الفرنسي في إطار المشروع الدولي المسمى اصطلاحاً باللاتينية أونوماستيكون أرابيكوم (OA) داخل وحدة البحث لتأريخ النصوص بالمركز.

واستغرقتني في تونس شؤون أخرى ومهام نيابية عن كل عودة الى مخطوطات الرقيق لكتابه القطب بجميع مصوراتها عندي، التي حصلت عليها بباريس.

ومضت سنوات طويلة وأنا كالمطمئن أن يسخّر بعض الزملاء الأساتذة بالجامعات الفرنسية ممن لهم علم بجهودي في تجميع نسخ مجلدات الكتاب المفرقة في عدد من المكتبات الأوروربية من ينتدبه من طلبته لتحقيقه كعمل جامعي للدكتوراه أو ولو بالاشتراك بين أكثر من طالب كما تسمح بذلك القوانين الفرنسية، لضخامة العمل، وتكون نصف الطريق بالمصورات المحفوظة منه التي تركتها بالمركز الفرنسي للبحث العلمي قد مهّدت العمل. الى أن طالعني قبل سنتين تقريباً عن طريق الانترنت عنوان كتاب الرقيق محققاًً للدكتورة سارة البربوشي. وهو اسم مر بسمعي بمناسبة سابقة ، هي مناسبة الاحتفال بالقيروان عاصمة للثقافة الإسلامية في سنة 2009. حيث ألقت صاحبته في بعض ندوات تلك المناسبة محاضرة، هي كل ما كتبته فيما تبين لي بعد ذلك لمقدمة تحقيقها للكتاب والذي كان على وشك صدوره بعد عام من ذلك التاريخ عن منشورات الجمل ببيروت.

وهو كتاب ضخم ثقيل الحمل في أكثر من 1250 صفحة لأنه يجمع المخطوط الموجود في مجلدين في الأصل، ومتعب في القراءة لأنه صغير جحم الحرف، كثيف الكتابة خال من الشكل حتى الشعر خلافاً للأصل، الذي جاء مشكلاً حتى نثره ، فأدخلت المحققة بهذا الإخراج الغريب في كتب التراث عادة كثيراً من الضيم على مخطوط يعد من نوادر المخطوطات جمالَ خط ووضوح قراءة وتقسيم موضوع، لأن وجوده في مجلدين جاء من تجزئته إلى أول للنثر وثان في شكل ديوان جمع فيه المؤلف مرتباً على حروف المعجم كل الشعر الذي ذُكره في صلب النثر وغيره في موضوعه.

ولا نبالغ إذا قلنا إن أخطاء القراءة في هذا التحقيق لا تحصى ولا تعدّ، بل إن كل التصويبات التي أثبتتها صاحبته أو أكثرها على الأقل هي أخطاء قراءة منها هي لصواب في الأصل لم تتبينه أو لم تأخذ به، إما جهلاً ببعض قواعد العربية أو بالبيان لعصر والعصور القريبة من المؤلف أو عن قلة إحاطة بأسلوبه في الكتابة، أو وقوعاً منها تحت تأثير قراءات خاطئة لتحقيقات سابقة مزعومة للكتاب في جزء منه أو اختيار منه، كما بيّن النقد حقيقة ذلك دون أن تعلم به كمحققة أو تتجنبه.

وأسوأ الأخطاء على الإطلاق في الشعر ، وما أكثره إذ هو نصف الكتاب تقريباً. فقد جاء أكثره مضطرباً. مكسور الوزن، ويحزننا أن نكتشف أن ثلاثة أرباع أسماء البحور التي حددتها المحققة لعشرات القصائد ومئات المقطعات هي أسماء خاطئة. فبالله عليها كيف حققتها ووزنتها وقوّمت لفظها لقراءة سليمة في هذا الكتاب، الذي نوهت أقلام العلماء من قديم بأنه أعظم ما صنف من نوعه.

ونوالي هنا في حلقات توقفاتنا بالتصحيح والملاحظة في المائة صفحة أولى من الكتاب وعشرات الصفحات الأخرى بعدها لأخذ فكرة أشمل ما تكون عن حجم الضرر الذي لحق هذا الأثر من آثارنا القيروانية، بنية ترميمه في طبعة قادمة أو تحقيق قادم.

ولم يكن من حق المحققة أو المحقق ولا من أصول التحقيق أن نتجاهل عنوان الكتاب كما ورد في أصح المخطوطات المعتمدة، والاعتبارات غير العلمية كان ينبغي ألا تطغى آلى حد تزييف أمانة نقل التراث. فعنوان الكتاب في جميع نسخه المخطوطة ليس «قطب السرور» كما أثبتت المحققة على غلاف طبعتها. بل هو «قطب السرور في أوصاف الخمور وما يتعلق بها من أمور». 

فهو عنوان محكم مبني على السجع. ويليه اسم مؤلفه كالتالي: تأليف الشيخ الإمام العالم الفاضل الكاتب إبراهيم بن القاسم القيرواني المعروف بالرقيق رحمه الله». ولكن المحققة أهملت كل ذلك وأهملت أشياء أخرى كانت تفيدنا لو التزمت الطريقة السليمة المقررة في تحقيق النصوص. أهملت مثلاً أن تستنتج من المخطوط قرينة كان يجب أن تقف عليها من كلامه تؤرخ بها لتأريخ تأليفه لكتابه ونستنتج منها بأكثر دقة تاريخ وفاته هو نفسه. وهي الفقرة التي يتحدث فيها عن ولاية الخليفة العباسي القائم بأمر الله في أيامه، بما يفيد أن المؤلف توفي قطعاً بعد ذلك التاريخ المتداول لوفاته وهو سنة 417 للهجرة. فكيف يفوتها ذلك لو رأت الرجل نفسه يتحدث داخل كتابه عن خليفة معاصر له تولى بعد سنة 422، ودام مدة طويلة في الحكم ، فكانت على الأقل تأخذ بتاريخ 425 الذي قدّره المرحوم حسن حسني عبد الوهاب لوفاة الرجل، دون أن يدرينا بمصدره في ذلك ، وتعتبره التقدير الأقرب.

وعيوب كثيرة لا وقت لاستعراضها كلها هنا، فقط نشير الى عدم التزام المحققة بالأصل المعتمد للتحقيق وهو نسخة فيينا لحساب إقحام زيادات كثيرة وطويلة أحياناً من نسختين دونها جودة وصحة. بل أسوأ من ذلك زيادات من مصادر أدبية غير جيدة التحقيق أو قد تكون رواياتها غير ما اعتمد عليه المؤلف منها، أو ما قد يكون تصرّف فيه لغرض كتابه أو تبعاً لأسلوبه في النقل والرواية. وهذه الزيادات الكثيرة المغيّرة، حتى لا نقول المشوهة للنص أدخلت هي والتصويبات المقترحة منها أو المنقولة عن أحمد الجندي ومن تسميه الدكتور عبد الحفيظ منصور دون أن يسمي نفسه بذلك أو يدعي هذا اللقب العلمي، ثقة في عملهما على الكتاب، الأول بنشر جزء منه و الثاني بنشر اختيار منه، لمؤلف مغمور، وكل هذه الزيادات غير الموفقة والتصويبات غير الصائبة أدخلت ضيماً كبيرا على الأصل، فضلاً عما يشتكي منه النص بعدم تعويلها على النسخة الأكمل والأصح من مخطوطات الكتاب وهي مخطوطة لندرة. فقد اقتصرت المحققة على ما دونها من نسخه المعروفة وهي ثلاث تجيء في مقدمتها نسخة فيينا، وهي أفضل الثلاثة التي اتخذتها أصلاً الىجانب نسختي فرنسا وبرلين فهما على رداءتهما ونقصهما فقد جعلتهما كالرديفتين للمقابلة وتدقيق الأصل الذي يشبه في نظرنا نسخة لندرة، حتى كأنها للناسخ نفسه دون أن تعلم المحققة بها . ولكنها ذكرت في مقدّمتها في وصف النسخ المعتمدة أنه لم يمكنها العثور إلا على تلك النسخ الثلاث من الكتاب. وهذا غير مبرر لتجاهل نسخة لندرة، مع أنها الأكمل والأصح من جميع النسخ إلا أن تصويرها في لوحات فوتوغرافية غير مرقمة الترقيم الصحيح يجعل اعتمادها عملاً صعباً ما لم يخضعها المرء أو الباحث بالأحرى إلى ترتيب رقمي صحيح ابتداء، فقد يستغرق البحث عن التتابع الطبيعي بين كل عشر لوحات إلى ساعات طويلة من الوقت للربط بينها بشكل صحيح في حزمة مائة لوحة في عداد ست حزم مثلها من المجلد الواحد تقريباً . وهذه النسخة أي نسخة لندرة هي عندي أفضل النسخ من الكتاب بالمقارنة والمقابلة بينها وبين غيرها حتى نسخة فيينا القريبة الخط منها ولكن الأقل أهمية من بعض النواحي.

ولذلك نستغرب أن تتجاهل المحققة هذه النسخة البريطانية مع حصول العلم لديها بوجودها وكانت توفر لها تحقيقاً سليما للكتاب دون حشوه بزيادات من نسخ متأخرة ورديئة وناقصة وسقيمة العبارة أو الأسلوب أحياناً، وظاهرة الوضع والانتحال للزيادات فيها أحياناً أخرى.

ومن وجوه الإهمال أيضاً تقزيم اسم مؤلفه في غلاف طبعتها هذه ، فقد سمته «أبو إسحاق القيرواني» هكذا ببساطة في كعب الكتاب ! وليس فقط تحوير عنوانه كما رأينا.

والمحققة، أثقلت الكتاب بفهارس كثيرة وإن كانت مشكورة ولكن للأسف هذه الفهارس ناقصة وغير دقيقة، والكتاب في عصر البحث الآلي عن المعلومة فيه عن طريق الپي دي آف، pdf يغني عنها، خصوصاً إذا كانت غير شاملة ودقيقة. وبينا ذلك في أكثر من موضع في نقدنا الشامل لتحقيقها.

ولنأخذ هنا مثالاً على ذلك اسم «الخطي» في الفهرس، فهو تصحيفٌ من الناسخ للاسم وصوابه «الخُطَبِيّ». وكتابه اسمه كتاب الخلفاء الكبير، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي، رقم الترجمة 12525. 

وتعليقا على قول الرقيق في كتابه: «ذكر الخُطَبِيُّ في تاريخه» كتبنا ما يلي : م ك: راجع ما تقدم قبل قليل ترجمة هذا المؤرخ، فهو الخُطَبِيّ كما أثبتنا لا كما جاء مصحّفًا «الخطي» مرتين من الناسخ، والمحققة (صفحات503 و504 و 1178) أوردته بهذا الخطأ دون انتباه ولا تحقيق نظراً لأهميته كمؤرخ ومصدر مهم من مصادر الرقيق والذي هو نفسه مؤرخ في كتابه هذا.

***

ونشرع الآن في الحلقة الأولى من عملنا على هذا الكتاب، فقط نشير في البداية الى أن المقصود بالمحققة في تعاليقنا هي الدكتورة سارة البربوشي، والحرفان م ك هما الأولان من اسمي ولقبي، وتعليقاتي كلها بالهامش إنما هو نقد علىعملها الوارد وصفه على لسانها بأنه العمل الذي قامت به لنيل شهادة الدكتوراه بجامعة السوربون تحت إدارة البروفيسور عبد الله الشيخ موسى،سنة 2007، إلا ما يكون من إخراج نصه هنا بيدنا لغرض هذا التحقيق على تحقيقها، خدمة لتراثنا والله الموفق.

تونس في الثاني من ذي الحجة 1442 هـ‍‍ الموافق 16 /7 /2021 م