المنجي الكعبي يكتب لكم: ذكرى مقال سنة أولى إرهاب..

كتب: الدكتور المنجي الكعبي 

بمناسبة الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر وما حدث فيها من هزيمة أمريكا المدوية على يد طالبان بعد عشرين عاما من المقاومة الباسلة استرجعت مقالا لي في الذكرى الأولى لتلك  الأحداث بقي عنوانه على لسان كل من يذكرني به وهو «سنة أولى إرهاب». ورأيت بالمناسبة التذكير به نفسي وقرائي الأعزاء فإليهم مع التقدير.

***

أحداث الحادي عشر من سبتمبر أوقعت العالم عامة والعالم العربي والإسلامي خاصة في ما لو اصطلحت جميع الأمم في الأرض على فعل مثله من أجل تغيير دفة السياسة الأمريكية لما أفلحت.

مع الأسف هناك أحداث مثل الحروب ونحوها والحادي عشر من سبتمبر لا يخلو من فعل حربي بالغ القمة بمستوى أدوات العصر وتقنياته وتحدياته، وكان لا بد أن يهز البشرية أو قسما منها ليجعلها تتحرك في الاتجاه الصحيح بما يحفظ الكون من الاختلال.

فقد  كان وضحا أن السياسة الأمريكية الخارجية نحو الشعوب الأخرى كانت بمجيء بوش الابن قد بدأت تتخذ منحى خطيرا في التصرف في مقدّرات العالم بمنطق الاستقطاب الواحد أو الأمركة، وفي ذلك تغييب لكثير من حقائق الحياة الخاصة بالتنازع على السلطة وحب البقاء وصراع الحضارات.

وتنخرط أحداث 11 سبتمبر 2001 قطعا في صراع الحضارات، في هذا الاتجاه الذي يمنع من استبداد قوى واحدة، خصوصا إذا كانت هذه القوى غاشمة، ظالمة أنانية، خالية من كل روحية و تستند الى منطق الترهيب بالسلاح النووي، وهو ما جعلها تصطدم بأقدس ما في الأرض وهي منطقة الشرق الأوسط باتساعها العربي الإسلامي، وتكون تلك الأحداث كأنها التعبير عنها وردّ الفعل إزاء القوى الشريرة التي تحرك السياسة الأمريكية نحوها.

وما حدث قد حدث، وكان لا بد أن تستغل الولايات الأمريكية تلك الأحداث، وهي المتضرر الرئيسي منها أحد استغلالين، يدخل كلاهما في منطق البشر عادة مما قد يوقعه الأعداء بخصومهم من مصائب موجعة، وهما إما التحامل على النفس واستجماع أقصى القوة لردّ الفعل وإما التسليم بالغلبة واستبقاء النفس أو كما يقال الحُشاشة للاستنهاض على أسس سليمة. 

ويظهر أن أمريكا تصرّفت إلى حد الآن بالمنطق الأول، فوضعت في هدفها ملاحقة شخص في قلب أمة، وأمة في قلب شخص، فلم تظفر بتقليمة ظفر من فاعل الفعلة بتقديرها، وبدل أن تبحث عن إصلاح سياساتها الخارجية التي أدت بها الى الهزيمة في وجه من تصفهم بالإرهاب أو ببؤر الإرهاب أو دول الإرهاب وما الى ذلك بقيت تتخبط في سياسة تشخيص الإرهاب في أسماء شركات متعددة الجنسيات معيّنة تُلاحقها، تُجمد أرصدتها وهي تتصور أن رأس صدام حسين أو أسامة بن لادن أو الملّا عمر سيحل إذا استطاعت أن تطير برؤوسهم مشاكلها مع الإرهاب الدولي ومؤسساتهاوبرامجه وأدواته.

وأمريكا غير مخيرة في الواقع على اتباع منطق الإذعان لمن تتصورهم أوقعوا بها الجرح النازف في الحادي عشر من سبتمبر.

ويبطل التقدير بأن من فعلوا بها ذلك كانوا يقدّرون أن يكون رد فعل أمريكا أدنى من أن يكون تطبيق الأرض على رؤوسهم وعلى رؤوس شعوبهم، لأنهم يعرفون مسقبا أنه لم يبق لهم ولشعوبهم غير جرّ أمريكا للحرب لأنه في حال الانغماس فيها سيكون من بيته من حديد وزجاج أدعى للتدمير ممن بيته من جلد وشعر.

والعرب خاصة والمسلمون عامة وهم المتضرر الرئيسي الثاني كما بينت الأيام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وهؤلاء كما هو المتوقع من حال من رشحته ردود الفعل الأمريكية لأن يكون المستهدف الأول من حربها ضد الإرهاب فتحوا أعينهم هم أيضا على اختيار ليس دونه اختيار في الواقع، فتحوا أعينهم على أمر لم يكن أسوأ منه أمامهم هو الريبة من أنفسهم والريبة من أمريكا فلا أفادهم التنصل من ديانتهم إذ كانت متهمة بالإرهاب ولا أفادهم التنصل من جنسياتهم إذ كانت متهمة بالعنف والمقاومة من أجل استحقاقات لهم روحية وترابية وغيرها ولا أفادهم التضامن في ما بينهم لدرء الشر عنهم كيفما يكون مأتاه.

والواقع أن حال العرب قبل الحادي عشر من سبتمبر وحال التضامن الإسلامي كذلك قبله ليس بالحال التي كان بإمكانها كف الأذى عن أمريكا حليفة كانت أو صديقة واقتضاء بعض الإنصاف منها في نزاعهم كشعوب عربية وإسلامية مع إسرائيل. فكيف سيكون بإمكان هذه الدولة والغرب في الحالة الراهنة إن لم يكن بسياسة جديدة أساسها المصارحة بالمشاكل والمعالجة المشتركة والحكيمة لها.

فالضربة القاضية التي أدمت أمريكا وقوّضت أركان سيادتها في العالم ما تزال تداعياتها جارية – في رأيي – في غير صالح العودة الى نقطة الصفر قبل الحادي عشر من سبتمبر، ولكن في صالح التغيير لفائدة اتعاظ المجموعة الدولية كاملة من تلك الأحداث والخروج منها بما يوطد السلم والعدالة والتضامن الحقيقي بين الشعوب والدول والأمم والحضارات. وربما تطلب هذا التغيير مع الأسف بضع سنوات أخرى قبل تحققه.

وما يشاهد من ركوب موجها خلال هذا العام لتحقيق مآرب على حساب هذا المعنى وفي الاتجاه المعاكس من طرف هذه الدولة أو تلك.. سواء إسرائيل أو غيرها من دول المجموعة العربية أو الإسلامية أو الاتحاد الأوروبي يدخل في هامش الاستغلالات العشوائية للحدث ويوحي بانتهازيات الأنظمة وتهافتها الى الأذقان على آلام الشعوب المستضعفة وآمالها وأرزاقها يكنه يوحي في نفس الوقت بقرب الثبور لتلك الدول لأن الاختلالات التي ولّدت تلك الأحداث الدامية سوف لا تبطئ بتوليد ما هر أعظم منها فالافتداء بالروح البشرية ليس أبلغ منه رسالة، ولا يكون عادة إلا ممن تكون في صفه الحقيقة وفي صفه المظلمة والبطش في النهاية. والقوة الغاشمة التي تكون في مقدمته أو في أعقابه هي مناسبة لتجديد الحياة واستعادة توازن الكون.

والدول إزاء المشكلة الأمريكية أو الرجل المريض الجديد بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر تجد نفسها بين المطرقة والسندان، فلا هي قادرة فيما يبدو على امتصاص الغضب الأمريكي تماما لدى شعوبها ولا هي قادرة على حمل أمريكا على عظمة مواقفها من الأزمات الدولية الحادة التي تهدد العالم وتسديد ضرباتها فقط للإرهاب المتفق عليه دوليا، وربما استنفدت الولايات المتحدة الأمريكية طاقاها كما استنفدت كما استنفدت قذائفها على جبال طورا بورا قيل الإتيان على الإرهاب في كامل أنحاء العالم.

ولكن أمريكا تسعى بالعكس الى أن توكل لها الدول وخاصة دول المنطقة العربية والإسلامية أمر مقاومة الإرهاب كما يتّفق مع مصالحها وربما اقتضت منهم في القريب الحصانة القضائية على كل أعمالها في إدارة العالم وإشعال الحروب ومعالجة الأزمات.

 وهو أمر قد يعجّل بزوال أمريكا كقوة كبرى، لأن الأحداث الرهيبة التي هزت كيانها الاقتصادي والسياسي هزاً كشف من ناحية أخرى عن انهيارات وفضائح بالجملة في دوائر المال والأعمال والقيادات السياسية ويخشى مع التململ الكبير داخليا وخارجيا ضد العولمة التي تقودها أن يزداد تآكل السلطة بيدها ولا تقوى على بناء ذاتها من جديد بعد تلك الأحداث المريعة خصوصا بعد أن عاد شبح التمييز العنصري والديني يهدد بظلاله الداكنة وحدتها واستقرارها.

ورغم الإحساس العام لدى الملاحظين بأن أمريكا قدّر عليها عبر مسيرتها منذ أكثر من نصف قرن بأن تصنع الأغوال ثم تتولى محاربتها، فإن بعض تلك الأغوال وإن تجسم لها الآن فيما تسميه الإرهاب سوف ينقلب عليها لأنها إنما سمت شيئا بغير اسمه، فالذي تقاومه في الواقع إنما هو الإسلام المقاوم في فلسطين وفي أفغانستان وفي الشيشان وفي ألبانيا وفي البوسنة وفي الفيلبين وفي غيرها من مناطق العالم.

وربما أدركت الآن بعد عام من الأزمة أن الإسلام كسب معنويا أكثر مما كانت تقدّر بحربها لبعض أتباعه المتطرفين. وأنها أوشكت الآن على إثارة الذعر منها لدى أقرب حلفائها من العرب والمسلمين بسبب تعلقها بمقاومة الإرهاب على خلفية مقاومة الدين الاسلامي في المدارس والمعاهد والجامعات والمؤسسات والأنظمة، وإذا لم تدرك أن تمسك الناس بدينهم أو العودة الشديدة اليه أنه مظهر من مظاهر الاحتجاج بسبب بعض سياساتها المتحيزة في القضايا التي تأخذ بألبابهم وعواطفهم وروحانياتهم وما حدث في فلسطين طيلة هذا العام لا يخفي هلع الأمريكان غير المؤيدين سياسة بوش الابن، وما أكثرهم في الواقع بالقياس الى النسبة الطفيفة من شعبيته غداة الانتخابات التي رفعته الى السلطة، ومثلهم كثر في الرأي العام الغربي وغيره لأن المبتزّين إخوة، والدعوة الحق – كما يقول ابن خلدون – من دين أو نحوه تشتد بمقاومتها.