“اليوم خلع عنّي الملك “رواية جديدة للكاتب حافظ محفوظ: سرد مشوق يفصح عن جانب من تاريخ تونس

حافظ محفوظ

كتب: شمس الدين العوني

ها هي الكلمات في هيجانها الرجيم و الناعم تبتكر معانيها خارج المألوف تدعونا طوعا و كرها الى مجاهلها المعلومة و المطموسة و البينة و الخفية حيث لا يهتدي لكشف و فتح مغالقها غير عقل و عاطفة ..

وهنا بين العقل و العاطفة ينبت هذا الخيال الباذخ ليمنحنا شيئا من سحر و سر و ألق هذه الكلمات و هي تقص علينا حيزا من خزف الحال و شغف العناصر و هي تفصح عن سيرتها..سيرة ملغومة بأحداثها و شخصياتها و امزجتها الشتى..نعم السيرة هنا عنوان جمال حكي و بهاء سرد في أسئلة تفضي الى الذات و هي تنتفض تعلن عن تبدلات أحوالها تقبلا و نظرا و فهما…هي قوة الحكاية و القدرة السردية .. تماما مثل قصيد شعري قوي بين الغموض و الوضوح..

فعل الكلمات

انه فعل الكلمات في عوالمها المسرودة بجمال فائق و أخاذ غادره كل دخيل اعاقي يجعله في خانة المكتوب السهل و المجتر و المفتعل و الفضفاض…و ما الى ذلك من تقليعات الخواء السردي الذي أفضي الى رداءات تعللت بالقديم و التاريخي و الحكايات الملونة بالأزمنة و العصور الغابرة قديما و حديثا و ذلك في غير وجد و جمال و ….شعر..فعلا الرواية الجميلة هي بنت جمال الشعر هذا الفن القديم..
ها هو الشاعر كذلك يفصح عن قلقة الكتابي تجاه الساكن و العادي و الرسمي و المتعارف عليه يعلي من شأن القيمة و هي تنحت ثناياها الجديدة و البينة مثل النهر الحكاء الأمهر و هو يراقب مياهه و أصواتها تمضي لا تخاف الصخور..تنحت فيها مجاريها..
لعبة الحكي

هي لعبة الحكي في كشفه و اكتشافه من جديد للعادي تقبلا و سؤالا و فهما مغايرا حيث الزمن مجال اعادة و تقليب و تعيير ..الحرفي يعير ما يعرض عليه قبل شرائه و وضعه في مكانه تراه أعين المحبين و الباحثين و متقصدي ما هو جميل و رائق و ثمين..
هكذا ندخل العوالم..عوالم العمل السردي الأخير للكاتب حافظ محفوظ و الذي عنوانه ” اليوم خلع عني الملك ” ..عمل روائي في 170 صفحة صدر عن دار مسكيلياني للنشر  و هو بمثابة الفسحة الجديدة / المتجددة في سياق تجربة الشاعر و الروائي حافظ محفوظ الذي  أخذنا في متنه السردي و منذ سنوات الى مجالات من المتعة كتابة و أسلوبا و نهجا في تناسق و تواؤم تامين مع ذائقته المخصوصة في شعره و هو الشاعر الذي وسع من زوايا النظر لفهم ما الشعر و ما الكتابة و ما الابداع وفق عنوان لافت و هو الجوهر و الكنه بما يحيل على حمال و دلال المعنى و المكتوب و المتخيل..
المتخيل الشعري استعاره بل هو ذاته لدى حافظ محفوظ لحظة الكتابة ان في السرد أوفي القصيد أو حتى في النقد و الدراسة و لعل كتابه السابق ” وصايا سارتر ” يدعم ذلك..
دعنا من سارتر و وصاياه ..هذا الكتاب الجميل….نعود الى الرواية..لغة جميلة محبذة في الأدب و الوصف و الحيرة ..هادئة في غير تكلف و تشنج و افتعال تترك في القارئ جمالا و حرقة و سخرية و أسفا..جمال في حبكة و طريقة السرد يقابل حرقة تنفذ للقارئ و هو يكتشف الزيف المعشش في التواريخ و الكتب و الحكايات ..و سخرية نتبينها في التعاطي مع الرسمي الكاذب و المغشوش و هو يحبر ما يراه هو نفسه وهما و زيفا…و أسفا على سنوات الضياع في تواريخ الشعوب و البلدان لسبب طمس الحقيقة و هذه الحقيقة شبيهة حقائق تدفن لأيامنا هذه و اللاحقة .. لماذا..لا نعرف..بلى نعرف..و كل ما نعرفه هو أن الانسان ظلوم جهول..يزين له ظلمه و جهله كبرياء غاشمة تهوي به عميقا في مجاهل تعاني منها الأجيال و الأوطان…و هكذا..

مرثية زمن

هذه رواية بمثابة مرثية زمن حيث يقول عنها كاتبها حافظ محفوظ “…كتابة رواية هي تماما ككتابة مرثية لزمن مضى . زمن نحاول إحياءه أو نحاول نسيانه أو نحاول تصحيحه. (اليوم خلع عنّي الملك) رواية تحاول كلّ هذا. تفضح الأكاذيب السيّاسيّة التّي تربّينا عليها في المدارس و المعاهد و الكلّيات و تضيئُ مناطق معتّمة من تاريخ تونس القريب. وهي إلى ذلك قصّة حبّ سريّة ومغامرة وجود و رهان حياة…
الرواية تنطلق مع الراوي و هو يطل من شرفة البيت متأملا تجاه لعب  طفلين بالكرة لتتواتو الللعبة منتهية بحيرته و وعيه المتأخر و معرفته للتأكد من هو الضحية من بين الطفلين اللاعبين مستنتجا أن من افتك الكرة  هو الظالم..مشهدية بسيطة و لكن عميقها حين يتسع المجال من لعب بالكرة في شارع محدد الى لعب آخر في مسرح الوطن و عبر السياسة و تقلباتها و أحداثها المدوية أحيانا…و غالبا..
هكذا من شرفة  عمارة بلافيات بالعاصمة التونسية حيث يسكن يطل شمس الدين الغانمي على مشهده هذا الملخص لــ 170 صفحة من الرواية حيث يلقى القارئ لــ » اليوم خلع عني الملك ” الكثير من الحنين و الأسى و الشجن وفق أحداث في شيء ذي بال كبير من متعة و بذخ الحكي  .. “شمس الدين غانمي” الذي يعمل بالوكالة الوطنية للتراث و المختص في التاريخ القديم ينقب في رسائل تصله من “الدكتور خياط” صديقه ..هي  رسائل “الشاذلي باي” إلى أخته “ليليا” الأميرة التي تقيم بفرنسا…في هذا البيت بمنوبة..بيت جنينة زوجته تمضي الحكاية مع التاريخ ..العائلة.. خديجة و عائشة وزليخة وهادية وليليا ومحمد وصلاح الدين وعز الدين وصوفية وزكية وفاطمة وكبورة .. التفاصيل بين الأحداث و الهواجس و الاحساس بزوال الملك ..الخلع..و هو الذي فقد ابنه “عز الدين” ولي عهده عام  1953 الذي قتله “الهادي جاب الله”… التنكيل ب “جنينة” و مرض الباي ليشل و يفصح بمرارة العزيز الذي تم اذلاله : “اليوم خلع عني الملك” .
.شخصيات و مشاعر و انفعالات و حنين و ما الى ذلك في سياق من الانسيابية التي تجعل قارئ هذه الرواية منشدا و مأخوذا تجاه سرديتها و هي تطرق أبواب تاريخ نونسي..تحاوره و تحاوله مسائلة متسائلة ..كل ذلك باشتراطات الكتابة الابداعية في أرض الرواية و جسدها الناعم ..كالشعر تماما..هو سرد كحياة الناس و الأحداث الحافة  في تبدلاتها و مفاجآتها و تلويناتها الشتى..في حقبة من أحوال تونس السياسية و الثقافية و الاجتماعية ..و اذا كانت الرواية التاريخيّة هي من أشكال الرواية الحديثة التي تُعبّر بشكل ما  عن وقائع تاريخية في سياقات انسانية و اجتماعية فان حافظ محفوظ و في هذا العمل الأدبي تخير اللعب وفق ذائقته و تخييليته في التعاطي مع الومن و الوثائق و التاريخ و الوقائع بشيء من سخر الكتابة و تقنياتها وفق شاعرية ترفع من مراتب السردية الى ما هو وجداني و عاطفي و رمزي و هذا من مزايا كتاباته السردية السابقة و اللراهنة فهو الشاعر ينهل من شعرية الحال و الأشياء و العناصر و التفاصيل ليكون الحكي في غير تكلف و افتعال تستبد به حالة من شاعرية الكشف و اعادة القراءة و تعرية ما يخاله الآخرون عين الحدث و الحقائق .. تماما كفعل الشعر يبتكر رؤاه و جمالياته و صرامته تجاه الذات و الآخرين و العالم..

إعادة نظر

في رواية  (اليوم خلع عنّي الملك)  إعادة نظر وفق سرد و أمام كثير من الأحداث بحسب تصوّر الكاتب الذي يضعنا أمام شخصيات أتقنت تصريف عواطفها و معارفها و أمزجتها في سياق يراوح بين التاريخ في بعض دقائقه و الخيالي واللامنتظر حيث يأخذنا بالنهاية الى ما يشبه جلد الذات حيث السذاجة و سخافة الواقع الذي ما يزال يثق في جانب من المدون و المكتوب من جهة واحدة و وحيدة..هي سردية ما هو أدبي و تقني وفق روح تخييلية تمتن العلاقة الجمالية الابداعية بين الرواية و التاريخ و الواقع.
حقبة تاريخية معلومة من تاريخ تونس تخيرها الكاتب هنا تشير اليها الرواية ب”…تستقل البلاد، تتأسس الجمهورية، يصير بورقيبة زعيما، لكن ليس في نظر الامير الشاذلي بن الامين باي، الذي راسل الامير اخته ليحدثها عن امور كثيرة تهم العائلة وشخصية بورقيبة…”
أحداث الرواية تمسح فترة بين نهاية الحقبة الحسينية وأوائل فترة الاستقلال في كثير من اللوعة و الشجن لدى آل الباي محمد الأمين حراء ما حصل لهم من تشويه و ظلم و اهانات …و …و …و ما لم يبلغنا و لا / لم نعلمه و الى الآن..فترة عصيبة و غير هينة من الانتقال من نظام البايات الى الحكم الجمهوري و ما لف ذلك من خطاب شيطنة و تحقير فضلا عن التنكيل بتعلة البحث عن ثروات و كنوز العائلة ..
 تاريخ وأحداث
“آخر البايات في تونس و ” الملكة جنينة و المعزول ” سيدي المنصف باي ” و “الشاذلي الامين ” و ” ليليا ” و “روبار فينستان ” …تاريخ و احداث في كون من الحكي حيث الباحث التاريخي شمس الدين الغانمي في مجال عمله بالوكالة الوطنية للتراث و قد تخيره حافظ محفوظ للمكان السردي الملائم كشخصية جوهرية حيث السردية الأنيقة بين الوقائع و الأحداث و المظالم و الهواجس “… اولا اقوف جرايات كل افراد العائلة الحسينية في 31ماي 1956، ثانيا قام بمحو شعار المملكة التونسية حاذفا منه كل ما له علاقة بعائلتنا في 21جوان من نفس السنة، ثالثا اصدر امر تحويل كل سلطات الباي اليه شخصيا واجبره على التخلي عن ممتلكاته لفائدة الدولة، تمّ ختم كل هذا بالغاء النظام الملكي وعوّضه بالنظام الجمهوري، بعد ذلك طردونا بشكل وحشي…”  
” اليوم خلع عني الملك ” نص الفجيعة تبتكر سرديتها قتلا للزيف و كشف المظالم مثلما كان  يتحدث الشاذلي ابن الباي عن كل ذلك في الرسائل الى ليليا أخته في أسف و لوعة و أسى.. و لعله حيز من ” تاريخ الأسى ” التونسي يجترحه الروائي حافظ و هو يتنزه بمرارة الانسان و شغف الكاتب و وجدان الحقيقة في زمن تونسي معتل بفعل النرجسيات …و هنا أستذكر الراحل هششام جعيط العلامة و المؤرخ الجهبذ حين قال كلماته في لقاء خاطف بعيد الثورة التونسية “…على التونسيين مغادرة التخميرة و الخروج منها و اعادة كتابة التاريخ …” طبعا تاريخنا التونسي..
هذه الرواية لمحفوظ تضعنا هنا في عين الحدث و المطلوب و المنتظر…علينا تصويب تاريخنا و ترميم ما علق بذاكرتنا من زيف الاحداث و القائع لأجل انسان جديد بتاريخ حقيقي…فهل يستوي الظل و العود أعوج..حاضرنا يتطلب تاريخا شجاعا بحقائقه و صدقية كتابتها من جديد..و لذلك ارتأى ” شمس الدين الغانمي أن يصحو و يغير نظرته لينهي مع الفشل ..النظر و القراءة و التعاطي تجاه التاريخ و الاحداث مجالات تمحيص و تثبت حيث ما نراه يتطلب التثبت و التقليب مثلما حدث ل” شمس الدين الغانمي ” و هو في شرفة ببيته بلافايات مع مشهد الطفلين و الكرة و دلالاته العميقة..
” اليوم خلع عني الملك ” …رواية الجوهري الكامن في الذات الانسانية حيث الانسان في رحلة الكشف و التساؤل تقصدا للحقيقي بعيدا عن السطحي و الزائف..سردية خفيفة بليغة رائقة و تماما (مرة أخرى) كقصيد جميل …نعم و هنا في هذه الرواية …ها هي الكلمات في هيجانها الرجيم و الناعم تبتكر معانيها خارج المألوف تدعونا طوعا و كرها الى مجاهلها المعلومة و المطموسة و البينة و الخفية حيث لا يهتدي لكشف و فتح مغالقها غير عقل و عاطفة ..و هنا بين العقل و العاطفة ينبت هذا الخيال الباذخ ليمنحنا شيئا من سحر و سر و ألق هذه الكلمات و هي تقص علينا حيزا من خزف الحال و شغف العناصر و هي تفصح عن سيرتها..سيرة ملغومة بأحداثها و شخصياتها و امزجتها الشتى..نعم السيرة هنا عنوان جمال حكي و بهاء سرد في أسئلة تفضي الى الذات و هي تنتفض تعلن عن تبدلات أحوالها تقبلا و نظرا و فهما…هي قوة الحكاية و القدرة السردية .. تماما مثل قصيد شعري قوي بين الغموض و الوضوح..