جدل يشتعل من جديد…هل تتوفر تونس على مخزون نفطي يمكنها من تحقيق الاكتفاء؟

petrole

كتب: نوفل سلامة  

عادت من جديد مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات إلى فتح ملف الطاقة بعد أن سبق لها في مناسبات كثيرة بعد الثورة أن عقدت ندوات فكرية حول هذه القضية شكلت الحدث في لحظتها.. وسببّت الحرج الكبير لمن كان يحكم وساهمت في الضغط المجتمعي لمعرفة حقيقة مواردنا الطبيعية وحقيقة مخزوننا الطاقي من نفط وغاز وملح وجبس ورخام وكل المعادن الأخرى المنسية…

تطهير البلاد؟

وعودتها هذه المرة كان في تناغم مع الخطاب القوي لحراك 25 جويلية القائم على محاربة الفساد وتطهير البلاد من هذه الآفة كما يقول الرئيس قيس سعيد وهي عودة جاءت بمناسبة عرض الشريط الوثائقي ‘من الفرانيق إلى سرا ورتان’ الذي أنجزه الناشط السياسي والمخرج سالم بن يحي من جمعية “خضراء للدفاع عن الموارد الطبيعية في تونس ” وهي مناسبة لتنشيط الذاكرة بعد أن تم تعمد إخفاء هذا الملف عن الرأي العام و الحديث مجددا عن حقيقة مواردنا الطبيعية وحجم الفساد التي حصل في ميدان الطاقة بعد الاستقلال وتواصل بعد الثورة وجذوره تعود إلى حقبة الاحتلال الفرنسي من زاوية الصورة والحوار المرئي…

بعد أن تعرضت المؤسسة لهذا الملف الخطير من خلال النصوص المكتوبة والاستماع إلى المهتمين والمختصين في هذا المجال تفتح اليوم حوارا آخر لكنه بلغة مختلفة أدواتها أقوى تأثيرا من غيرها للتعبير والتواصل، وهي لغة المرئي والتوثيق المصور في تكامل مهم بين الخطاب المكتوب والخطاب المرئي في محاولة لنشر وعي واسع بملف الطاقة وكل التلاعب الذي حصل فيه ما جعل منه من أخطر ملفات الفساد الذي تعرفه البلاد.

وندوة يوم السبت 4 ديسمبر الجاري كانت حوارا قلقا ومتشنجا حول الفساد في مجال المحروقات من خلال عرض شريط وثائقي عنوانه ” من الفرانيق إلى سرا ورتان ” تولى تقديمه الناشط السياسي والمخرج سالم بن يحي بمساعدة آمال المستوري والفكرة الرئيسية التي يدور حولها الشريط أن النهب والاخلالات والفساد في ثرواتنا الطبيعية قد بدأ قبل الثورة منذ الاستقلال وتوسع في زمن حكم نظام الرئيس بن علي مع حفر بئر نفطي منطقة الفرانيق بجهة قبلي من قبل شركة فرنسية بطريقة غير قانونية وبأساليب تقليدية لا يسمح بها القانون التونسي المنظم لعمليات التنقيب عن النفط والغاز وتواصل بعد الثورة مع عملية تسليم حقل سرا ورتان بجهة الكاف…

خلل كبير في العقود

بعد هذه المقدمة الموجزة لفكرة الشريط الرئيسية من خلال عتبات الشريط ودلالات العنوان نأتي الآن إلى مضمونه ومحتواه من خلال حوارات مع بعض النشطاء المجتمع المدني كانت من بينهم المحامية والناشطة السياسية فوزية باشا تمحورت حول إبراز الخلل الكبير في عقود البحث والتنقيب والاستغلال عن النفط والغاز وخلل آخر بسبب غياب الرقابة الدائمة والمتواصلة بما يفقد أي حوكمة في مجال الطاقة…
وخلل آخر في بنود العقود التي تعطي للطرف الأجنبي امتيازات كبيرة تجعلها سيدة نفسها والمالك الحقيقي لهذه الحقول الطاقية من خلال تمتيعه بامتيازات جبائية وإعفاءات ضريبية وخدمات مثقلة على كاهل الدولة التونسية…

حقيقة الإنتاج..غائبة

بالاضافة إلى فساد كبير في اجراء الرخص ومراقبة المعدات وفواتير الشراء والإصلاح واخلالات أخرى تخص القوانين المنظمة للقطاع ومجال التشريع الذي يعرف تشتتا في النصوص بما يسمح بالتلاعب والتحايل، وفساد آخر وهو الأهم في عدم القدرة على معرفة حقيقة الإنتاج في ظل غياب العدادات والتعتيم عن حقيقة الإنتاج من مادة البترول والغاز…
وكل هذه الاخلالات التي تعرفنا عليها بعد الثورة من خلال أصوات كثيرة قدمت محاضرات وندوات كشفت هذا الفساد وحاولت تفكيك أخطبوط النهب والسرقة في المجال الطاقي واليوم نتعرّف عليه من خلال هذا الشريط المصور لينتهي إلى حقيقة وحيدة وهي أن هناك فساد كبيرا ومتواصلا ينخر قطاع المحروقات في بلادنا وتواطؤ كبيرا من قبل الكثير من الأفراد والمسؤولين في هدر مواردنا الطبيعية ومواصلة للتبعية للمحتل، ومن كان يستعمرنا لعقود من الزمن عرفت فيها البلاد نهبا على يده وهو اليوم متواصل من خلال الاتفاقيات المكملة لوثيقة الاستقلال التي كبلت الدولة وجعلتها مرتبطة بالمستعمر في اقتصادنا وغذائنا و تعليمنا وثقافتنا ولغتنا ومواردنا الطبيعية وهي معركة نخوضها اليوم لاستعادة السيادة الوطنية كاملة من المحتل القديم والجديد…

إلى هذا الحد كانت الندوة عادية غير أن التحول الذي حصل كان أثناء النقاش لما تجاوز الحوار مسألة ما هو معروف من معطيات حول الاخلالات في مجال التشريع وضرورة مراجعة القوانين من مجلة المحروقات وغيرها وتوحيدها في تشريع وحيد وضرورة مراجعة العقود والاتفاقيات مع هذه الشركات الأجنبية وحكوماتها بما يحقق مصلحة البلاد وضرورة إرساء حوكمة جيدة ومراقبة حقيقية وشفافة بما يجعل البلاد تستعيد سيطرتها على مقدراتها ومواردها الطبيعية إلى الحديث عن حقيقة مخزوننا من البترول والغاز…

هل يمكن تحقيق الاكتفاء؟

وطرح السؤال هل أن البلاد التونسية تتوفر على قدر معقول من هذه المحروقات بما يسمح لها من تحقيق اكتفائها الذاتي وأمنها الطاقي؟ وكيف يمكن التعرّف على حقيقة انتاجنا من هذه الموارد حتى نتمكن من السيطرة على مواردنا وتوظيفها التوظيف الجيد و حتى نتجنب العجز الطاقي الذي يجبرنا على توريد النقص الحاصل بالعملة الصعبة وما يتسبب فيه من عجز حاد في الميزانية يجعلنا دوما تحت رحمة الاقتراض الخارجي والارتباط بالمؤسسات المالية المانحة؟
حينما تحول النقاش إلى الفساد المتعمد في عدم معرفة حقيقة مواردنا الطبيعية ومخزوننا الطاقي حينها حصلت الصدمة الكبرى بتصريح مقدم الشريط أن البلاد التونسية بلد فقير طاقيا وموقعها الجغرافي في منطقة مرتفعة يجعلها خارج المجال الذي تتوفر فيه مصادر الطاقة بكميات كبيرة والموجودة في المنطقة السفلى على عكس الجزائر وليبيا وأن كل الحديث عن وجود كميات معقولة من النفط فوق التراب التونسي هو حديث لا معنى له ومن باب الخرافة التي يرفضها العلم…

جدل كبير

إن المشكل الذي أثار غضب بعض الحاضرين في كون هذا الخطاب الذي يسوق إلى أننا بلد موارده الطبيعية محدودة جدا هو خطاب قديم يجتر ويعيد نفس الموقف الرسمي لنظام بن علي وكل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، رغم وجود من يعارضه من المختصين في الميدان من الذين يؤكدون أن البلاد التونسية الموجودة بين الجزائر وليبيا تتوفر على موارد طاقية معقولة ومهمة وإن كان حجمها  ليس بحجم موارد جيراننا إلا أن الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال تعمدت التكتم على هذا الموضوع وروجت لخطاب يقلل من مواردنا الطاقية….
والحال أن ملف الطاقة بكل الاخلالات التي تحفه من عقود واتفاقيات ورخص ومراقبة وتحكم يشير إلى حرص الجهات الأجنبية على مواصلة الاستفادة من خيراتنا التي لا نعرف بكل دقة حقيقتها في ظل فقدان العدادات كما صرح بذلك وزير الطاقة في حكومة سابقة.
الصدمة في حديث الناشط السياسي سالم بن يحي في تجاهله أنه بالقليل من مصادر الطاقة إن كانت حقا قليلة وبكثير من الحوكمة والتحكم فإنه بإمكاننا أن نحقق اكتفاء ونوفر أمنا طاقيا يجنبنا الذهاب إلى التوريد المكلف فقط لو نعرف حقيقة انتاجنا وحقيقة ما تنتجه هذه الشركات الموجودة فوق أراضينا والتي تتصرف بكل حرية من دون رقيب ولا حسيب.
إن الصدمة أن نتحدث في هذه الندوة عن فساد في مجال الطاقة من دون أن نعيد طرح السؤال حول حقيقة ما ننتجه من غاز وبترول ؟ وأن نتحدث عن فساد في تسيير مواردنا الطبيعية من دون مناقشة حقيقة الخطاب الرسمي المكبل باتفاقيات استعمارية متواصلة.
إن الصدمة التي حصلت مع عرض هذا الشريط أن صاحبه يعيد الخطاب الإعلامي الذي يسخر من كل صوت يطالب بإجراء تحقيق جدي في حقيقة ما نملكه وما ننتجه من طاقة بعيدا عن التقارير الرسمية التي تشرع الفساد وتديمه…
اليوم هناك ثقافة وهناك خطاب مشكك في حقيقة أننا بلد يتوفر على قدر من مصادر الطاقة نجهل حقيقتها بكل دقة قد انتقل إلى من نعتبرهم النخبة التي نعول عليها لتحقيق الوعي الجديد التي نطالب به.