جديد دار الشنفرى في تونس :”دُنيا في سريري” رواية الكاتب السوري “نديم الوزه”

صدرت حديثا رواية “دُنيا في سريري” للكاتب السوري  “نديم الوزه” عن دار الشّنفرى للنشر في تونس، بغلاف للفنان السوري “رامي شعبو”.

وهذه الرواية التي كتبها “نديم الوزه” المقيم في مدينة اللاذقيّة، بلغة رشيقة وبناء سردي متماسك مخترقة بجرأة الثالوث المقدّس (الجنس والدّين والسياسة) انطلاقا من معاناة السوريين تحت وطأة الحرب على سوريا وتداعياتها، تقع في 162صفحة قياس 15/21سم.

نقتطف من أجواء الرواية صفحتها الأولى :

” مع أنَّ الشتاءَ في اللاذقيَّةِ كانَ في آخرِهِ، لكنَّ ليلتَهُ تلكَ كانتْ شديدةَ الظلمةِ والبرودة، تجاوزتْ حدَّ الهواءِ وحدَّ البلاء، حتى أنّني مِن شدّةِ تبرّمي مِنها شبَّهتُها بعدوٍّ لا يرحم؛ وتساءلتُ موتوراُ، مغتاظاً، كمَن يعرفُ الجوابَ، ولا يريدُ معرفتَه: أيُةُ قسوةٍ؟ وأيُّ عدوّ؟ هل هِيَ الحربُ؟ أَمْ هُوَ الحصار؟ أَمْ هُما كلاهُما معاً؟ أَمْ هُوَ شيءٌ غيرُ محدّدٍ، ولا يمكنُ الإمساكُ به؟، لا هُوَ فقرٌ، ولا هُوَ عوزٌ، ولا هُوَ غيرُهما؛ بلى، هُوَ شيءٌ طارئٌ، وغيرُ معتادٍ عليه.

وفي لحظةٍ انفعاليَّةٍ، يائسةٍ، تساءلتُ مستاءً، ملتاعاً: لماذا ليسَ لديَّ أيُّ صديقٍ أو نصيرٍ يمدُّني بأيِّ نوعٍ من أنواعِ الطاقة؟ كأنَّ الدُّنيا خلتْ كما لم يحدثْ مِن قَبْل؛ لا وسيلةٌ للتدفئة، ولا حتّى لشربِ أيِّ شيءٍ ساخن، لا غازَ في الجرّةِ، ولا كهرباء؛ ولا يمكنُ القراءةُ، ولا الكتابة؛ ودماغي دائمُ القلقِ، ولا شيءَ يمكنُ أن أفكّرَ بهِ، ويكونُ ذا جدوى، لا على الصعيدِ الشخصيِّ، ولا على صعيدِ المحيطِ الذي أعيشُ فيه.

ثمَّ ماذا؟

ضحكتُ بسخريةٍ مِن سبكِ هواجسي عن أشياءَ معيشيِّةٍ، يوميَّةٍ، بهذهِ اللغةِ المتينة؛ وقلتُ لنفسي مُنهياً مونولوجَها: مع ذلكَ كلِّهِ لستُ في زنزانة، ويمكنُ أن أفعلَ شيئاً ما، بدلَ هذا التصعيدِ في الاحتقانِ والأسى.

وفعلاً هدأتْ انفعالاتي، وتبخّرتْ أسئلتي، بعدَ أن اهتديتُ إلى عباءةٍ قديمةٍ من تركةِ والدي؛ تدثّرتُ بها، وخطرَ لي وسطَ فراغِ ذهني المشوَّشِ نصيّةُ عرَقٍ لم أكملْ شربَها منذُ عدّةِ أشهرٍ، وذلكَ بسببِ قراري المفاجئِ حينها بالتوقّفِ عن إدمانِ الخمور؛ وربما قرّرتُ ذلكَ توفيراً للنقودِ بعدَ ارتفاعِ الأسعارِ بشكلٍ لا يُطاق، أكثرَ من تخوّفِي مِن المرض، أو تخوّفِي مِن حالاتِ السُّكْرِ المُفقِدَةِ للوعيِ والذاكرة؛ ومهما يكنْ إنَّ الخمورَ هي أفضلُ ما يمكنُ اللجوءُ إليهِ الآن.

نهضتُ نشطاً، حملتُ قدّاحةً تضيءُ مِن ذيلِها، وذهبتُ إلى المطبخ؛ فتحتُ درفةَ الخزانةِ فوقَ المجلى، وتناولتُ زجاجةً من العرقِ لم تزلْ تحتوي على أكثرِ من رُبعِها؛ نظرتُ إلى الزجاجةِ متأمّلاً بما في داخلها، وابتسمتُ أنَّ في العرقِ منافعَ للناسِ حقاً، وليسَ رجساً مِن عملِ الشيطانِ دائماً. سكبتُ كأساً، ومزجتُهُ بالماءِ حتى راقَ لي بياضُه. رفعتُ الكأسَ متردّداً؛ لكنْ، طالما لا أملكُ بديلاً آخر، حسمتُ أمري وأخذتُ رشفةً؛ لم يثنِنِي شعوري بالتقزّزِ مِنها -كما لو أنَني كنتُ أشربُ العرقَ لأوّلِ مرّةٍ- عن أخذِ رشفاتٍ متلاحقةٍ لأُنهي الكأسَ بسرعة. رجّحتُ أنَّ قبوليَ للشربِ سيتغيّرُ معَ الكأسِ الثانيةِ كما كانَ يحصلُ معي عادةً. حشوتُ غليوني القديمَ بما لديَّ مِن تبغٍ محليٍّ غيرِ مصنَّعٍ، رطّبتُهُ بزيتِ الفانيلا، وقبلَ أن أشعلَهُ سمعتُ موبايلي يرنّ؛ تساءلتُ: ترى أيُّ أحمقَ يتّصلُ بي في هذا الوقتِ الميّتِ مِن منتصفِ الليل؟، ضحكتُ بفرحٍ طفوليٍّ حِينَ سمعتُ صوتَ دنيا، انتعشتُ بصوتِها الماجن، ونكاتِها المبتذلة، واتّفقْنا على أنَّها ستكونُ بانتظاري في مقهى “القهوة” غداً، بدءاً من الساعةِ الواحدةِ ظهراً، لتهديَني ديوانَها الجديد.”

هذه الرواية هي الثانية التي تصدر في تونس لهذا الكاتب في تونس بعد روايته الأولى “شهوة الآنسة صوفي” التي كانت قد صدرت سنة2019 عن دار ديار للنشر والتوزيع، إلى جانب مجموعات شعرية وكتب نقدية صدرت في تونس سابقا عن دور نشر تونسية (صامد، نقوش عربية، بيرم ، ديار والشنفرى).

ورواية “دنيا في سريري” متوفرة في العاصمة التونسية بثمن “20د.ت” للنسخة الواحدة في مكتبة “الكتاب”-شارع الحبيب بورقيبة، مكتبة “المعرفة”-ساحة برشلونة، مكتبة “بوسلامة”- باب بحر، مكتبة “العين الصافية” –خلف وزارة المرأة.

وفي ولاية أريانة بمكتبة “العيون الصافية”-شارع أبو لبابة الأنصاري بالمنزه السادس، ومكتبة “Copie ” – حيّ النّصر.