جهة ظلمتها الجغرافيا والتاريخ:تطاوين بين مطرقة كورونا..وسندان البطالة والتهميش

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن ولاية تطاوين عاشت عبر عقدين ونيف من الزمن كل مظاهر الغبن والتهميش،حيث غابت عنها التنمية وساءت أوضاع سكّانها مما دفع بالعديد من شبابها بما فيهم حاملي الشهائد العليا إلى مغادرتها قسر الإرادة والبحث عن رغيف خبز في الضفة الجنوبية من المتوسط،علما وأن العديد منهم إستقرّ بهم المقام في عمق اللجة حيث لا شيء غير الموت المفجع أثناء محاولتهم الهجرة تحت جنح الظلام.هذه الولاية الجاثمة على تخوم الجنوب ساهمت في عرس الثورة وقدّمت مهرا سخيا لتفعيله تمثّل في سقوط أربعة شهداء دفعة واحدة عدا عدد هائل من الجرحى الذين نالوا-نصيبا-وفيرا من رصاص غزير أطلقه عديمو الرحمة و -حفاة الضمير- على الأبرياء العزل..ولئن بدت اليوم هذه الولاية الشامخة تلملم جراحها وتكفكف دموعها ألما وحسرة عن شبابها الجرحى والشهداء،فإنّ جراح ما قبل الثورة الخالدة التي زلزلت الأرض من تحت أقدام من حوّلوا تونس-دون وجل أو خجل-إلى ركام وحطام،لا تزال غضّة ولا سبيل لشفائها بدون تنمية حقيقية تنتشل شبابها من مهاوي الضياع لاسيما وأنّ أهالي الجهة أشرفوا ذات زمن أسود من تاريخ البلاد التونسية(ما قبل الثورة بعقدين ونيف من الزمن) على هوّة الإنكسار حيث لا شئء في القاع غير الألم وصرير الأسنان..ولعلّ ما دفعني لإثارة هذا الموضوع هو حرية التعبير التي بدت سمة بارزة في سياق حياتنا اليومية،إذ لا سبيل بعد اليوم لمجانبة الصواب والتماهي مع البؤس الإجتماعي خشية من مطرقة -البوليس السياسي-وسندان المخبرين..قلت هذا،وأنا أشاهد المئات من أبناء تطاوين العاطلين عن العمل والذين سبق وأن دخلوا في إعتصامات متواترة،معبرين عن إستيائهم لما آلت إليه أوضاعهم الإجتماعية البائسة حيث تفاقمت معضلة البطالة وساءت الأحوال المعيشية وتاهت المطالب المنادية بحق العيش الكريم والعدالة الإجتماعية والتوازن التنموي بين الجهات في خضم سياسة النهب والتجويع التي عرفتها البلاد-كما أسلفت-عبر عقدين ونيف من الزمن الجائر..قلت أشاهدهم اليوم،وهم يحثون الخطى كل يوم في إتجاه مركز الولاية على أمل أن يتم تشغيلهم ضمن الشركات البترولية المنتشرة بأقصى الصحراء التونسية وفقا لما تمّ الإتفاق عليه سابقا بين السلط الجهوية بتطاوين وبعض هذه الشركات،إلا أنّ الآمال التي كانت معلقة على هذا الجانب يبدو أنها  ذهبت زبدا وطواحين ريح مما دفع بالعديد من الشباب ممن حاورتهم إلى أن يعبّروا لنا عن استيائهم العميق لما آلت إليه أوضاعهم الإجتماعية والمعيشية مؤكدين على أحقيتهم في الشغل والعيش الكريم سيما وأنهم -على حد تعبيرهم-“نالوا حظهم” حد الإحباط  من سياسة الإقصاء والتهميش..وإذ أنقل بكل ألم وفقدان أمل-هذا المشهد الإجتماعي المتخم بالغضب والإحتقان والتوجس من حاضر تنتشر فيه رائحة الموت بفعل وباء لعين (كورونا) بكل موضوعية ونزاهة،فإننا نؤكّد على أنّ هذه الولاية الجاثمة على تخوم الجنوب(تطاوين) عاشت عبر عقدين ونيف من الزمن كل مظاهر الغبن والتهميش،حيث غابت عنها التنمية وساءت أوضاع سكانها مما دفع-كما أسلفنا- بالعديد من شبابها بما فيهم حاملي الشهائد العليا إلى مغادرتها -دون أسف-والبحث عن رغيف خبز في الضفة الجنوبية من المتوسط عبر قوارب الموت،علما وأنّها(ولاية تطاوين) لم تستيقظ فجأة أثناء الإشراقات الأولى للثورة لتتناغم مع نبض الشارع التونسي الهادر والمطالب بالحرية والكرامة،بقدر ما ساهمت في تفعيل المشهد التونسي الثائر وقدّمت خيرة شبابها شهداء أبرار فداءا للحرية عدا العديد من الجرحى الذين -نال منهم-الرصاص المنفلت من العقال.وعليه فإنّ السلطة المركزية وكذا السلط الجهوية مدعوّة أكثر من أي وقت مضى إلى حلحلة الإشكاليات التي تعيشها الجهة وعلى رأسها ظاهرة البطالة المستشرية بشكل ملفت للإنتباه ،ومن ثم التفكير بجدية في بعث مشاريع تنموية واعدة تمتص -هذه الظاهرة-وتستوعب بالتالي جحافل العاطلين عن العمل الذين نال منهم الإحباط ودفع بهم إلى هوّة الإنكسار حيث غدوا منها على الشفير..هذا،دون أن نقلّل من أهمية الشركات البترولية المنتشرة بهذه الربوع ودورها في إستيعاب عدد لا بأس به من طالبي الشغل من شباب الجهة،إن توفّرت الإرادات السياسية الصادقة..نقول هذا،بعد أن -استقبلت- جهة تطاوين مرارا وفودا وزارية،وعبّر آهاليها-بقلوب ينخرها الإحباط-عن المشاغل والهموم المتراكمة التي تقضّ مضجعهم..فهل من آذان صاغية.. قرارات تنموية عاجلة..وإرادات سياسية فذّة..؟نرجو ذلك..

متابعة: محمد المحسن