خواطر الإيمان في رمضان: أحبـــــّك يا أبــا هريـــرة

يكتبها من باريس: صالح العود
لقد ظلمك القريب والبعيد والغريب أيها الصّحابيّ الشهير .. كيف..؟ وأنت (الأوّل) و(الآخر): أي من أواخر الصحابة إسلاما ولقاءًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أسلمتَ سنة خيبر عام (7 هـ)، وبقيت مع رسول الله حتى وفاته في سنة (11 هـ)، فلا حرج عليك في ذلك بالطبع، بل كل شيء بمقدار معلوم عند الله عزّ وجلّ.. أما (الأوّل): فأنت أوّل من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الأحاديث الكثيرة والوفيرة، وقد بلغت على وجه التحديد بشهادة الخبراء والحفاظ المحدّثين الأجلاء: (5374)، وبهذا المقاس لم يجارك في ذلك أحد من الصحابة على كثرتهم: لا نساء ولا رجالا. والذي دفعك إلى استيعاب تلك المجموعة من الأحاديث النبوية دون غيرك، هو عُمْق حبّك لرسولك، وكثرة وشدة ملازمتك له أينما كُنْتَ، حتى يدخل رسول الله بيته فتفترقان حينئذ. قال عنه الإمام ابن قيّم الجوزية في كتابه (الوابل الصيّب من الكَلِم الطيّب/ ص101): “هو حافظ الأمّة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درسا، فكانت همّته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه” ا. هــ، ومع هذا فقد جُرح في نزاهته وروايته، فاتّهم (قديما)، لأنه صرّح – تحدث بنعمة الله عليه في هذا الشأن، وهو ما أخرجه عنه الإمام البخاري أنه قال: “ما من أصحاب رسول الله أحد أكثر مني حديثا إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاصي، فإنه كان يكتب ولا أكتب”. (وحديثا) أيضا من بني جلدتنا والناطقين بألسنتنا، وهم متّبعون في ذلك طغمة من المستشرقين المحترفين في أنواع من المطاعن تتعلق بالاسلام وشريعته وأعلامه ومعالمه، وكانت الأمة ممثلة في علمائها الابرار، وكتّابها الاحرارعلى مدى الاعصار ترد تلك الترّهات السخيفة، فدونك كتاب: (السّنّة ومكانتها في التشريع الاسلامي/ الدكتور مصطفى السباعي)، وممّن رد عليهم بالحجة الساطعة والبراهين القاطعة: الدكتور محمد عبده يماني في مقال طويل أعيد نشره بمجلة رابطة العالم الاسلامي (في عددها الثاني سنة 1404 هـ /ص11، بعنوان: عفوا أبا هريرة). وختاما، فإن من فضائله الجسيمة في عصر النبوة والخلافة الراشدة، أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أوصت عندما احتضرت أن يصلّي عليها أبو هريرة رضي الله عنه فكان ذلك في سنة 58 هـ ، ثم لحق بها بعد سنة، وكان يدعو دوما “اللهم لا تدركني سنة ستّين”، فمات قبل ذلك. ومن فضائله كذلك أن البخاري (امير المؤمنين في الحديث) ختم صحيحه بروايته هذا الحديث النبوي الشريف: “كلمتان حبيبتان إلى الرحمان، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده.. سبحان الله العظيم”. ومما يزيده فضلا أن (أسماء الله الحسنى) وردت بروايته، وقد أفرد الإمام أحمد بن حجر شارح البخاري كتابا، جمع اسانيدها وطرقها ومفرداتها، طبعه المكتب الاسلامي ببيروت سنة 1418 هـ = 1997م.