خواطر الإيمان في رمضان: جلال الدين الرومي وعظمة الحب الالهي عنده

يكتبها من باريس: صالح العود
مِنْ حِكَمِهِ البليغة، ما وصفه وحكاه في هذه الكلمات: “رأيتُ البارحةَ شيخا يدور حول المدينة وقد حمل مشعلا، كأنه يبحث عن شيء. فقلت له: يا سيّدي! تبحث عن ماذا؟ قال: قد مللت معاشرة السباع والدوابّ، وضقت بها ذرعا، فخرجت أبحث عن إنسان في هذا العالم. لقد ضاق صدري من هؤلاء الكسالى والاقزام الذين أجدهم”. إنه يعني بذلك كل مسلم ومسلمة في زمانه أو ما بعد زمانه، وهو الذي لم يفقد العلم، ولا المال، ولا الجاه، ولا المنصب، إنما فقد “جمرة القلب” الذي يشتعل بنور الايمان، ويشتغل بأعمال الطاعة (الباطنة) التي فيها غذاء الأرواح، وأركان الإسلام (الظاهرة) التي هي قوام الاشباح.
كان هذا الإمام العظيم: مولانا جلال الدين الرومي وأصله من مدينة بلخ في بلاد الفارس، عاش في القرن السابع الهجري، وقد تفقّه وتصوف على أجلاء علماء عصره، حتى نبغ وبرع، ثم اشتغل عمره بالتعليم والمعرفة في أربع مدارس شهيرة. سكن بغداد حينا من الدهر، ثم غادرها ليستقر بمدينة “قونيةّ” التركيّة، وفيها توفي رحمه الله وطيّب ثراه. أشهر آثاره: كتاب المثنوي.
ولما هبّت عواصف المادة في زمانه، واضطربت لها القلوب، وخبا منها الايمان، وجفّ العلم مع العلماء، حتى أصبح الجوّ قاتما، والمحيط فاسدا، فهبّ وحده هبّة الاسد الهصور، داعيا الناس إلى الترياق الأهمّ، والغاسول الابرم للقلوب الراكدة، ألا وهو “الحبّ الإلهي الخالص” وهو المشرب الذي عرّفنا به سيدنا أبو بكر الصّديق رضي الله عنه فقال: “من ذاق من خالص محبّة الله تعالى، شغله ذلك عن طلب الدنيا، واوحشه عن جميع البشر” وقال سيد التابعين: الحسن البصري رضي الله عنه: “من عرف ربّه احبّه، ومن عرف الدنيا زهد فيها”. وقال الإمام الربّاني يحيى بن معاذ رحمه الله:” مثقال خردلة من حبّ، أحبّ إليّ من عبادة سبعين سنة”. فكلّ تلك الأقوال، تحوم حول إثارة إيثار “لذّة القلب” في معرفة الله عزّ وجلّ، وحبّه على لذة الأكل والشرب والنّكاح، وغيرها من سائر الشهوات.. وفي هذا الخط الجليل، كان مسير مولانا جلال الدين الرومي النبيل، ووجهته التي دعا إليها الناس على بصيرة وعلم.
وقد فصّل جهوده البارّة، وعرض مقوّمات الحبّ الالهي عنده: شيخنا سيدي محمد الحجّار (نزيل المدينة المنوّرة دفين البقيع فيها) رحمه الله، فألّف لذلك كتابا معتبرا بعنوان: (الحبّ الخالد)، صدر عن دار ابن حزم في بيروت، فسارت به الركبان، والحمد لله.