خواطر الإيمان في رمضان: ديك يحاكم أمام إحدى المحاكم

يحرّرها من باريس: صالح العود
أقام أهالي قرية في إحدى المقاطعات الفرنسية، دعوى لدى إحدى المحاكم فيها، مفادها: أن ديكا يعلو بالصياح في كل صباح، وأهل القرية غارقون في نومهم الهادئ والناعم، مما أزعجهم وكدّر عليهم راحتهم ولذّتهم.. فتقبلت المحكمة الدعوى لتنظر ثم لتحكم فيها، إلا أنها لم تجد مخرجا لها وعادت منها بخفي حنين، وبالتالي أصدرت قرارا بعدم سماع الدعوى.. وهكذا ظل ديك القرية يصيح كعادته على الملأ .. لكنّ الأغرب، وهو كيف تعاملت المحكمة مع تلك القضية، التي كان يجد أهل القرية في نفوسهم منها حرجا مزعجا غاية الإزعاج، حتى حكمت ببراءة الديك أوّلا، ثم لصاحبه ثانيا، بمعنى: لا حجر على كليهما. فقلت في نفسي: يا سبحان الله! ما أعظم “الحرية” عند الغرب، ولو مع الحيوان.
لكني تصفحت مرة في تاريخنا الاجتماعي حادثة شبيهة في السياق والقياس لكن مع الفارق، وهي أن الإمام الشهير محمد بن سيرين (معبّر الرؤى والأحلام) في زمانه، كان يستيقظ بعد منتصف الليل من أجل التهجّد، وهو صلاة ركعات.. وتلاوة قرآن.. وأذكار وابتهالات…ثم دعوات…وكان عند جاره ديك صيّاح كأحسن ما يكون الصياح، قبل ظهور الصباح، فأزعجه ذلك، وأخلّ منه بلذة المناجاة، وأسرار تلك التجليات، فما كان منه ـ بعد أن عيل صبره ـ إلا أن دعا عليه بقطع صوته إلى الابد، وفعلا استجيبت دعوته، فلم يعد ذلك الديك يصيح كعادته.
ثم قلت مرّة أخرى وانا أتامل في هاتين الحادثتين: إن لله تعالى في خلقه شؤون وشجون، بين الانسان الأعجم، وهذا الحيوان الابكم، والله قد جعل الناس في هذا الكون يتمتعون بمنافع لا حصر لها من أنواع وخصائص ما خلقه من الحيوانات بأصنافها: البرية والبحرية والجوية، الاليفة والوحشية حتّى.