خواطر الإيمان في رمضان: مآثر المحسنة عزيزة عثمانة

يكتبها من باريس: صالح العود
إنها امرأة تونسية من الطراز الرفيع، بل قلّما يجود بها الزمان، فقد تنوعت شمائلها، وفاضت أعمالها بما لا يخطر على بال، وهو توفيق الله وحده لها لا غير…وللعلم فإن لفظة (التوفيق) هذه وردت مرّة واحدة في القرآن الكريم.
مَنْ عزيزة عثمانة هذه؟ وَجَدْتُ أن أحسن من عرّف بها، هو مؤرّخ تونس الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه الماتع: (خُلاصة تاريخ تونس)، فكتبَ عنها في صفحة 117 ما نصه:
“المحسنة الكبيرة والمنعمة الجليلة عزيزة بنت أبي العباس أحمد بن محمد بن عثمان داي. وهذا وجه شهرتها بعثمانة، نشأت هذه الفاضلة منتصف القرن الحادي عشر للهجرة (السابع عشر ميلادي) في وسط عائلة ذات يُسر وكرم. وقد اعتنى والدها بتربيتها، فأضاف إليها من حفظها القرآن الشريف، وعلّمها أصول الدين مع ما يتبع ذلك من الآداب وتدبير المنزل، حتى تكاملت وصارت مثالا للعفّة والحنان بفضل تلك التربية الإسلامية العالية.
ثم زوّجها أبوها بمن يلائم مقامها الرفيع ـ قيل هو يوسف داي ـ فكانت خير قرينة لأفضل بعل.
وبعد مدّة تاقت نفسها الزكيّة لأداء فريضة الحجّ رغما عن صعوبة الأسفار في ذلك الحين، فحجّت مع حشمها وخدمها واعتمرت. وعند عودتها إلى تونس أطلقت مماليكها وأعتقت عبيدها احتسابا لوجه الله تعالى، ثم استمرّت في الأعمال المبرورة والخيرات الصالحة المذكورة حتى ملأ صيتها الآفاق. ولمّا أحسّت بدنوّ الأجل الذي لا مرد له وضعت وصيّتها الخالدة.
فبهذه الوصيّة تجرّدت عزيزة عثمانة من جميع ما تكسبه من الأملاك الشاسعة في سبيل مشاريع الخير التي ينجرّ نفعها العميم للضعفاء والمساكين مدى الأحقاب. فأوقفت على مرستان مدينة تونس ما يقوم بنفقاته ولوازمه بأكمل عدّة وأتمّ نظام. كما حبّست على عتق الرقيق ريعا معتبرا، وكذلك على ختن الأطفال الفقراء وكسوتهم وعلى تجهيز الابكار عند زواجهنّ وغير ذلك ممّا لا يدخل تحت حصر.
وتوفّيت رحمها الله سنة 1122/1710 وتربتها بحلقة النعال حذو المدرسة الشماعية (في سوق البلغاجية)، وقد خصّصت شيئا من ريع أوقافها لشراء أزهار توضع على قبرها في كل فصل من فصول العام من ورد وياسمين وبنفسج. ولا غرو أن كانت تحبّ الرياحين فما هي إلا زهرة زمانها بل ريحانة تونس بما تركت من ذكر عاطر يتلوه لسان شاكر”.