د. أحمد ذياب يكتب لكم: اللقاح بين الأمس واليوم

كتب: د. أحمد ذياب
جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال له: “يا رسول الله، إني رأيت جمالي كالظباء تجري في صحرائها، فإذا دخل فيها مُجربٌ أجربها كلّها”. لعلّ هذا الأعرابيّ بملاحظته هذه، قد أدرك منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا بأنّ مرض الجرب ينتقل بسهولة من حيوان إلى آخر.. لكن كيف أجابه الرسول الأعظم؟
نفس الملاحظة كانت معروفة منذ الجاهلية وما قبل ذلك. فمنذ العصور القديمة، كان الناس قد شاهدوا بأنّ الذين أصيبوا ببعض الأمراض لأول مرة لن يصابوا بالمرض نفسه مرة أخرى… وهذا سواء بالنسبة للعباد أو الدواب. وهو في حدّ ذاته ما مثّل التحصين بالنسبة لهذا الداء.
قبل لقاح باستور:
تتعلق أقدم أمثلة التحصين بما كان يتمّ ضد مرض الجُدري. وقد عُرف هذا المرض لفترة طويلة، كما ظهر في القرن السابع عشر على شكل أوبئة أدّن بحياة الآلاف في كل نوبة. وفي أجزاء مختلفة من العالم، بُذلت جهود لإطلاق شكل خفيف من الجدري عن طريق إدخال القيح من بثور المرضى إلى جسم الشخص بوسائل مختلفة؛ الفكرة هي منحه الحماية مدى الحياة.
في نهاية القرن الثامن عشر، اكتشف طبيب الريف الإنجليزي، إدوارد جينر، اكتشافًا مهمًا: وهو المرض البقري الخفيف، الذي يعمل بمثابة اللقاح ويشبه الجدري. والنساء المزارعات، اللواتي تتعاملن بانتظام مع فيروس اللقاح بسبب عملهنّ، لا تُصبن بالجدري أثناء الأوبئة، فكان جينر يزرع الشخص باللقاح من خلال شقوق صغيرة في الجلد ليلقّحه. وقد حاول إمراض بعض الحيوانات مثل “خنزير غينيا” بالجدري، ولكن دون جدوى: فهذا الأخير لا يصاب بالمرض.
ويتم إعطاء اسم “التطعيم” لهذه العملية التي مثّلت نجاحًا باهرًا في أوروبا وأدّت إلى تنظيم حملات تطعيم كبرى ضد الجدري، وإنهائه بصورة تكاد تكون نهائية.
مع باستور
وعلينا بانتظار الرابع من جويلية 1885، ويتعرض جوزيف مايستر الفرنسي من جهة الألزاس، والذي كان يبلغ من العمر تسعة أعوام، للعض من قبل كلب تيودور فوني وهو بقال بقرية مجاورة، وذلك حين كان في طريقه إلى المدرسة. وفي نفس الوقت، هاجم الحيوان سيده، بعد أن هائج وماج، ليقُتل برصاص الجندرمة.
وتم إحضار الطفل لرؤية الطبيب ويبر، الذي قام بتنظيف جروحه العديدة ثم كيّها بحمض الكربوليك، ونصح والدته أنجيليك بأخذه إلى باريس. بعد فحصه، قدر الطبيبان ألفريد فولبيان وجاك جوزيف جرانشر، بعد فحصهما لجوزيف في السادس من جويلية 1885 في باريس، ، أن الطفل سيصاب بداء الكلب. وقدّم المريض إلى باستور والذي لم يكن طبيبا، ليوافق على تجربة لقاحه على مايستر ويعطيه علاجًا يستمرّ عشرة أيام، مع حقنة أقوى كل يوم. النتيجة كانت تتمثّل في أن هذا الصبي لن يصاب بالكلب كما كان متوقعا. وكان علاجه هو أول حالة تطعيم ضد داء الكلب لبشر.
واعتقادًا منه بأن “اللقاح” أنقذ مايستر، أجرى لويس باستور وفريقه في العام التالي أكثر من 350 تطعيمًا، والتي لم تكن كلها فعالة. لكن شهرة لقاح مايستر مثّلت فرصة لإطلاق حملة تبرّع كبرى سمحت بإنشاء معهد باستور.
1880-1930: قتل السموم والسموم والعصيات
واصل “البستوريون”، مثل إميل رو وألكسندر يرسين أو غاستون رامون، عمل الأستاذ لويس باستور، بينما تطورت مدرسة كبيرة ثانية لعلم الأحياء الدقيقة ودراسة الميكروبات في ألمانيا، بقيادة باحثين مثل روبرت كوخ وإميل فون بيرينغ.
أظهر العلماء أن السموم التي تفرزها عصيات الدفتيريا والتيتانوس هي التي تجعل هذه الأمراض هائلة. واكتشفوا أيضًا كيف يحمي الجسم نفسه من الأمراض: عن طريق صنع الأجسام المضادة. كل هذا فتح الطريق أمام إنتاج لقاحات تحتوي على “مواد سامة”، وهي سموم معدّلة فاقدة سميتها لكنّها لا تفقد ردّ فعل الجسم بصنع الضادات.
وخلال هذه الفترة أيضًا تمّ اكتشاف “التأثير المساعد” لبعض المواد، مثل أملاح الألومنيوم، التي تزيد من مناعة اللقاح من خلال تعزيز تكوين الأجسام المضادة، وظهرت لقاحات ضد الدفتيريا والتيتانوس في عشرينيات القرن الماضي.
في الوقت نفسه، ركّز العلماء أبحاثهم على اللقاحات الموجّهة ضد الأمراض البكتيرية التي تمثل آفات حقيقية للسكان: حمى التيفود، والسل، والكوليرا. واكتشفت عديد اللقاحات التي أنهت مرض الالتهاب النخاعي الأمامي المتسبب في عديد حالات الشلل.
اللقاح وقاية وليس علاجا
طبيعيا تحيط بنا الجراثيم وهي توجد في بيئتنا وفي أجسامنا. عندما يكون الشخص حساسًا ويواجه كائنًا ضارًا، فقد يؤدي ذلك إلى المرض وحتى الموت.
ويمتلك الجسم عدة وسائل للدفاع عن نفسه ضد مسببات الأمراض (الكائنات الحية التي تسبب المرض). ويعمل الجلد والمخاط والأهداب (الشعر المجهري الذي يُبقي الحطام بعيدًا عن الرئتين) في شكل حواجز فيزيائية لمنع مسببات الأمراض من دخول الجسم في المقام الأول. لكنها قد لا تكفي، فعندما يصيب العامل المُمرض الجسم، يتم تشغيل دفاعاته، التي تسمى الجهاز المناعي، ويتم مهاجمة العامل الممرض وتدميره أو القضاء عليه.
العامل الممرض هو بكتيريا أو فيروس أو طفيلي أو فطريّ يمكن أن يسبّب المرض في الجسم. ويتكوّن كل عامل مُمْرِض من عدة أجزاء فرعية، وعادةً ما تكون فريدة لهذا العامل الممرض المحدد والمرض الذي يسببه. ويسمى الجزء الفرعي من العامل الممرض الذي يسبب تكوين الأجسام المضادة بالمستضد. وتعد الأجسام المضادة التي يتم إنتاجها استجابةً للمستضد الممرض جزءًا مهمًا من جهاز المناعة.
يمكن تعريف الأجسام المضادة بأنها جنود الجهاز الدفاعي للجسم. ويتم تدريب كل جسم مضاد، أو جندي، في نظامنا على التعرف على مستضد معين. ولدينا الآلاف من الأجسام المضادة المختلفة في أجسامنا. عندما يتعرض جسم الإنسان لمستضد لأول مرة، يستغرق الجهاز المناعي وقتًا طويلاً للتفاعل وإنتاج أجسام مضادة خاصة بذلك المستضد.
في الوقت نفسه، من المحتمل أن يصاب الشخص بمرض. لكن بمجرد إنتاج الأجسام المضادة الخاصة بالمستضد، فإنها تعمل مع بقية الجهاز المناعي لتدمير العامل الممرض ووقف المرض. وبشكل عام، لا تحمي الأجسام المضادة من أحد مسببات الأمراض من نوع آخر من العوامل الممرضة، إلا عندما يكون هناك نوعان من مسببات الأمراض متشابهين جدًا، مثل أبناء العمومة. وبمجرد أن ينتج الجسم أجسامًا مضادة كجزء من استجابته الأولية لمولد الضد، فإنه ينتج أيضًا خلايا ذاكرة منتجة للأجسام المضادة، والتي تظل حية حتى بعد إزالة الأجسام المضادة للعامل الممرض. فإذا تعرض الجسم لنفس العامل الممرض أكثر من مرة، فإن استجابة الجسم المضاد تكون أسرع وأكثر كفاءة من المرة الأولى، لأن خلايا الذاكرة جاهزة لإنتاج أجسام مضادة ضدّ هذا المستضد.
هذا يعني أنه إذا تعرّض الشخص لمسببات الأمراض الخطيرة في المستقبل، فسيكون جهاز المناعة لديه قادرًا على الاستجابة على الفور وحماية الشخص من المرض.
يعتبر اللقاح إذن عنصرا وقائيًا بشكل عام وليس علاجيًا (على عكس المصل)، ولكن بطء انتشار فيروس في بعض الأمراض مثل داء الكلب مثلا في الجسم يترك لنا وقتًا للعمل بعد الإصابة.
اللقاحات الحديثة ولقاح الكوفيد 19
تخبّط العالم حديثا ولعلّه لا يزال كذلك.. وكثير منا كان ينتظر نبأ اكتشاف لقاح ما ضدّ الكوفيد، إلى أن أصبح أحد مقدمي الرعاية في نيويورك يوم الاثنين 14 ديسمبر 2020 أول شخص يتلقى لقاحًا ضد Covid-19 في الولايات المتحدة، الدولة الأكثر إصابة وتأثّرا في العالم من الفيروس. وبدأت إثر ذلك، حملة التطعيم في عدد قليل من المستشفيات التي قدمت الجرعات الأولى من اللقاح الذي طورته شركة بفايزر بيونتاك Pfizer-BioNTech.
“اللقاح الأول تم إعطاؤه. مبروك للولايات المتحدة، تهانينا للعالم!”: هكذا، على تويتر، ويوم الاثنين ، غرّد الرئيس الأمريكي في الدقائق التي أعقبت التطعيم، قبل الساعة 9:30 صباحًا (بالتوقيت المحلي) بقليل: “ممرضة نيويورك، أوّل شخص يتم تطعيمه ضد الفيروس التاجي -19 في الولايات المتحدة”.
وقد تم تلقيح أخصائية العناية المركزة هذه، ساندرا ليندسي أمام الكاميرات في مركز لونغ آيلاند الطبي، وهو مستشفى كبير في منطقة كوينز. وهنأها حاكم نيويورك أندرو كومو قائلا: “آمل أن يمنحك هذا ولمقدمي الرعاية الذين يعملون على هذا الأمر كل يوم شعورًا بالأمان وكفاءة معززة”.
كانت ساندرا ليندساي تبتسم قائلة بعد أن حقنت في ذراعها: “أشعر أنني بحالة جيدة جدًا. لم أشعر بأي اختلاف عن اللقاحات الأخرى”.
يمثل هذا الحقن بداية حملة تطعيم واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد ثم بلاد العالم.. حيث ينتشر الوباء. لكن ليس لنا أن ننسى أن بلدانا مثل الصين وروسيا قد شرعت من فترة وقد تكون سبقت البدايات الأميركية والإنجليزية.
وقد تكون البدايات ما ذكرنا، لكن الحقيقة هي غير تلك تماما: والسؤال هو من كان أوّل ملقّح ضد الكوفيد؟
فقد همت التجارب على اللقاحات مئات الآلاف من الأشخاص. وهذه التجارب هي التي أمدت البشرية باللقاحات الناجعة. ومعنى ذلك أن اللقاح كان قد حقن لهم قبل الممرضة الأمريكية المشهورة. إذ وفي وقت مبكر من شهر جانفي، بعد أيام فقط من نشر الصين لتسلسل SARS-CoV-2، بدأت عدة فرق من الباحثين في البحث عن لقاح. ودخلت جامعات أكسفورد في المملكة المتحدة، وكوينزلاند في أستراليا، وشركات أخرى ناشئة، السباق قبل أن تنضم بسرعة كبيرة إلى عمالقة الأدوية العالميين: الأمريكيون بفايزر، وجونسون آند جونسون وميرك، وأسترا زينيكا البريطانية والفرنسية سانوفي.
لكن ما دواعي الخوف المنتشر يمينا ويسارا حول هذا اللقاح؟:
الزمان ليس الزمان والعلم يتقدّم؛ عنصران أساسيان يفسّران هذا الخوف حسب رأيي.
الأول هو أن البشرية تعيش عصر الإعلامية وعصر وسائل التواصل الاجتماعي. والمُخبر لا يوجد اليوم بالضرورة بالتلفاز والمذياع أو بالصحف الكبرى وإنمّا أصبح المواطن يستقي سيلا جارفا من المعلومات والأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وها إن المُخبر أصبح يصنع مقاطع الفيديو كما يحلو له، دون رادع، ودون ضمير أحيانا، ودون دراسته المخاطر التي يمكن أن يتسبب فيها.. وها إن أكثر من خمسين بالمائة من الفرنسيين يرفضون التلقيح.. نعم هذا البلد الذي شاهد على أرضه أول تلقيح علمي مع باستور كما ذكرنا أعلاه، يرفض أهله بنسبة تتجاوز الخمسين بالمائة هذا التلقيح!!
مأساة هذا المواطن الذي تنزل عليه المعلومة وعكسها.. ينزل عليه الخبر وعكسه.. مأساته كذلك في تطاحن بعض العلماء والأخصائيين الذين يشاهدهم ويسمعهم ويصدّق البعض منهم وينقضّ على آخرين، ليصبح بدوره ناقلا للخبر ويصبح محلّلا بل وعالما!!
هذا هو الزمان الذي تنتحر فيه حرية التعبير وتغيب فيه المسؤولية الأخلاقية ويتوه الضمير.. من يتحمّل مسؤولية نشر الخبر أو حجبه بتويتر أو بالفيسبوك؟ ومن يتحمّل مسؤولية رفض مواطن أن يلقّح نفسه بعد قراءة بعض الأخبار، ليصبح بالتالي عرضة لإصابة فيروسية قد ترهقه أو تقتله وقد ينقل المرض إلى بعض أهله وغير أهله خاصة إذا كان من تلك الفئة من المرضى اللاأعراضيين؟
هل نتصوّر أن المواطن، أيّ مواطن يملك ما يكفي من قدرة للتمييز بين الغثّ والسمين، والحال أننا لا نشكّ في أمر إيجابيات هذه الحرية إذا ما توفّر للمواطن قبس من المعرفة والإدراك والقدرة على قراءة حكيمة لهذه المواضيع؟
هذه واحدة.
أما الأمر الثاني فهو علميّ بحت. ولعلّ البعض قد فهم مما ينشر بأنّ اللقاحات الجديدة لبعض المخابر، الأولى على وجه الخصوص، تختلف عن اللقاح التقليدي.. وإذا اعتبرنا أن هذا الأخير يعتمد على الفيروس المُنهك، فإنّ اللقاح المستحدث من بفايزر بيونتاك ومودرنا على سبيل المثال، هو لقاح حديث يعتمد على الحمض الريبونوكلييكي ARN .. هذا الجديد في المشهد أصبح يؤرّق الجميع. ذاك أنّه حتى إذا ما علمنا اليوم ما قد ينتج من أعراض وتشعبات لهذا اللقاح بعد بضعة أشهر، بما أن هذه التجارب الميدانية قد بدأت في شهر جوان أو جويلية 2020، فإننا نجهل تماما ما قد ينتج حقا عن استعمال الحمض الريبي (أو الريبونوكلييكي) بعد سنوات… البعض يتحدّث عن تغيير للحمض الديأكسي ريبونو كلييكي أي الجينات لدى البشر.. وآخرون يتوقعون إقحام بعض الشفرات التي سوف تقضي على البعض من البشر أو على الأقل ترصده..
أعلم أن ما أطرحه قد يزيد البلبلة لدى القارئ، غير أني أؤكّد شخصيا بأنني تمنيت لو كنت أحد أولئك الذين تمّ تجريب اللقاح عليهم، ـ لو أتيح لي ذلك لتبرعت حقا ـ وسوف أبقى مدافعا عن هذا للقاح وعن تقدّم العلم… بهناته وكلّ الاحتمالات.. ودون أدنى تردّد.
الخاتمة:
وحين سأل الأعرابي الرسول الأعظم عن سبب إصابة جماله بالجرب إذا ما دخل بينها مُجربٌ أجابه الرسول: “لا طيرة ولا عدوى”..
ـ لا عدوى! لا عدوى! لكن يا رسول الله، من أجرب جمالي إذن؟
أجاب الرسول، والحديث متوفّر في الصحاح، ويمثّل واحدا من هذه الأحاديث التي جمعها ابن قيّم الجوزية ليؤسّس كتاب “الطب النبوي”: إنّ الذي أجرب الأوّل يجرب الثاني، مشيرا إلى الله طبعا.
لن يقتنع الأعرابي بهذا الردّ كما لم أقتنع شخصيا بصحّة الحديث. ومن قبل لم أقتنع بأنّ ابن قيّم الجوزية الذي عاش في القرن الثالث عشر بدمشق كان باستطاعته أن يجمع هذه الأحاديث الطبية الصحية… هو لم يكن طبيبا ولم يدرس تاريخ الطب.. هو عاش في نفس المدينة، ونفس القرن، الذي عاش فيه العالم ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى والذي كُفّر في عصره.. غير أن هذا الأخير سوف يتوفى دون أن يستفيد أهله ولا من ورثه من عظيم هذا الاكتشاف! سوف نترك لملّة الغرب لذة الاكتشاف والفائدة المعنوية والمادية. وسوف نبقى بانتظار أن يكتشفوا لنا دواء ولقاحا وأن يبيعوه لنا، بعد أن يكونوا قد أدركوا متعة السبق وفائدتها..