د. رفيق عبد السلام يكتب لكم: من يراهن على أخذ كل شيء يخسر كل شيء…

كتب: د .رفيق عبد السلام 

من بين أهم الدروس التي يمكن للمرء أن يستخلصها من مسيرة التجربة السياسية الحيّة خلال العشرية الأخيرة على الأقل،

أولها فضيلة التواضع والابتعاد عن آفة الغرور والعجب بالنفس وتحقير الغير، مهما كان موقعه وحجمه، ولعله من المناسب هنا لفت الانتباه الى خطئ تلك المقولة التحقيرية التي راجت في السوق السياسية والاعلامية التونسية، من قبيل جماعة صفر فاصل، والمعارضة المجهرية، وما شابه ذلك. فقوي اليوم هو ضعيف الغد، وضعيف اليوم قوي الغد، ولله في خلقه شؤون في تصريف الأوضاع والأحوال. وثانيها خطورة إدارة الشأن السياسي الداخلي ومع شركاء الوطن بمنطق الإلغاء والحذف، استنادا الى معادلة أنا أو الجحيم، أو ما يُعرف في علوم السياسة بالمعادلة الصفرية في التعاطي مع النزاعات، وعلى النحو الذي يلخصه البيت الشعري لأبي فراس الحمداني: “ونحن أناس لا توسط عندنا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر”…فاتباع هذا المنهج الحدي والذين يفتقدون في الغالب الخبرة السياسية والدراية المطلوبة بتعقيدات الاجتماع السياسي، ينتهون في نهاية المطاف الى تدمير أنفسهم قبل تدمير غيرهم، ومن يراهن على أخذ كل شي ينتهي به المطاف الى خسارة كل شيء…عالم السياسة هو أشبه ما يكون ببحر لجي متحرك لا يستقر على حال، ولذلك من الأهمية بمكان الابتعاد عن روح الاستئثار والهيمنة، والخروج من النرجسية الذاتية، والبحث بدلا من ذلك عن الحلول الأقل عنتا وكلفة للأفراد والجماعات والدول، ومن يبتعد عن خيار التوافقات والحلول الوسط، يُرهق نفسه وأنصاره مثلما يرهق خصومه، ولكن الخاسر الأكبر في كل ذلك هو الوطن في جملته وتفصيله. في الأخير يتوجب لفت الانتباه، الى أن هذه التدوينة هي تعبر عن رأي هادئ وحر مبني على حصيلة تجربة عملية في مجال السياسة، وليست تهريجا “كلاميا” يقوم على السب والقدح على النحو الذي يبرز في تدوينات وتعليقات كتائب الحشد الفايسبوكي.