رجب حاجي يرثي أحمد بنور: وداعا يا سي أحمد

أحمد بنور

كتب: د. رجب حاجي 

  نجتمع اليوم، السبت 24 سبتمبر 2022، في موقع تاريخي، تداولت فيه المسؤولية اجيال من رجالات تونس، نحيي ذكراك فيه، بكل خشوع واكبار، لكن وجهك النير، وابتسامتك الخلابة، لن تفارق أهلك وذويك، فمسيرتك مثالية بامتياز…

 اذ شاركت منذ صغر سنك في بناء تونس، ووفائك لكيانها، فانت رجل يمتاز ببعد النظر، وشجاعة الابتكار، وفي لتعهداته،  كرست حياتك في خدمة الغير، وناضلت باستمرار  لعلو شان تونس، وصيان كيانها، والدفاع عن تاريخها، وحماية أهدافها، وعزائي اليوم مجددا لتونس لفقدان صرحا من السياسيين مثلك، عملوا على الاشادة بها حتى الموت.         

   وماعرفته عنك، يا سي احمد كما كنت ادعوك، طوال عشرات السنين، أنني لم اسمعك يوما تخدش في معارضيك او تلوح بالانتقام من أعدائك او تراوغهم لبث الانشقاق والتفرقة بينهم، ولو كلفك ذلك في آخر حياتك، مآسي العزلة، والالتجاء الى المنفىٍ، لأنك اتهمت  باطلا في قضايا هامشية ،كنت بعيدا كل البعد عن مساراتها  ونواياها، واطوارها،  و كنت دوما، حريصا على اللحمة الوطنية بتنوعها، عملت جاهدا في مسيرتك على تدعيمها، لاعتقادك انها السبيل الذي يمكن المواطن ان يعيش دوما حرا في بلاده، مرفوع الرأس، فخورا بتاريخه، يحدوه الامل الى الأفضل، تجلب له تضحياته الاحترام و التقدير، وذلك هو المنهج الموصل الى الغاية النبيلة التي يرمي اليه الدستوريون الاحرار مثلك.

هذه ثلة من رفاقك الاوفياء، يتذكرون انك دخلت السياسة وأثرت فيها، اذ تحملت، عن جدارة، عبئ مسؤوليتها، وأديتها بكل فخر واعتزاز، متخذا المنهج البورقيبي الأصيل، سبيلا في حياتك، لأنك آمنت بجدواه، لفائدة تونس، واستمرار اشعاعها، ودعم أصولها.

      وان طغت على بعضهم ميزة التباهي، وحب الأنانية، كنت ترد عليهم بنكران الذات، وشفافية الاختيار، لأنك حساس لتطور المجتمع، والتفاني في خدمة الغير، همك تكوين أجيال، شيمتهم الجرأة، والمنافسة الشريفة، وقوة  الحجة في الإقناع، بدون التسابق على المسؤوليات، ولا نيل الجزاء أو الشكر، غايتهم الدفاع عن تونس، وتاريخها المجيد، الذين هم من نفحاته، ولم تترك، فرصة لمن تنكر للجميل، و حاول العبث بما أنجز، وكنت شريكا فيه على مراحله، لم تكن تبحث عن الولاءات كما اغتر بعضهم بها، وانحاز الى الركوض وراء المناصب لاقتسام الغنيمة، وبث البلبلة في شعب أبي، كافح من أجل تحرره، تحت قيادة زعيم الامة الاوحد الحبيب بورقيبة                                                                          

       ساهمت أيها الفقيد، بكل مواهبك في بناء الدولة العصرية، التي كانت حلمك، دولة كما كنت تؤكده لي، المرار العديدة، لها أصالتها، و هويتها، متفتحة على الخارج، للمرأة فيها حقوقها وواجباتها، وللشباب قسطه في المبادرة، وتحمل المسؤولية، وكنت دائما تردد لي عند ما اشكوك الضيم الذي تعرضت اليه من حكام انقلاب السابع من نوفمبر، والتي اتاحت الفرصة لبعضهم لتهديم لحمة كانت سدا منيعا لطموحاتهم، فضربوا بدون هوادة من يعطل نفوذهم، وأقالوا بدون موجب، يرمون من وراء ذلك نهاية مسيرات أرادوها قاضية على المستقبل وعلى الطموحات المشرؤعة                                                                                       

    وفي جلب اطراف الحديث عنهم تجيبني دائما “غفر الله ذنوب من عبث لصالحه بمصالح البلاد، والسياسة من جذورها، يا اخي رجب، التسامح وهي في جوهرها اخلاق أو لا تكون، كما يردده صديقنا طاب ثراه محمد الصياح، والواجب يملي اليد المفتوحة لانقاض البلاد، وخلق فيها نمط يمتاز بالمشاركة والتفاني في خدمة الغير، بالمساهمة في تاريخ تونس من قرب مذكرا بالآية الكريمة       “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”

    وفي خاتمة هاته اللمحة التي جادت بها ذاكرتي، لا يفوتني الا ان اترحم على سي احمد مجددا، راجيا من الله أن يرزق كل أفراد عائلته وسائر أصدقائه ومحبيه، جميل الصبر والسلوان وشكري لمن ساعد على اقامة تكريم روحه وتخليد ذكراه  

لكنَّ ربِّي شاءَ غيرَ مشيئتي      وللرَّبِّ إمْضَاءُ المشيئةِ لا العَبْدِ( ابن الرومي)
يا أيّها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضيّة مرضيّة فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي” صدق الله العظيم                                                             

هوامش

رجب حاجي : دكتور في الاحصائيات- دكتور في الاقتصاد- شهادة تكوين مستمربجامعة هارفارد الأمريكية – ألف أربع كتب في علم الاحصاء في المستوى الجامعي- اول رئيس بلدية ملولش- شغل رئيس ديوان المرحوم محمد الصياح عشرات السنين ورئيس ديوان وزيرة الصحة ومكلف بمهمة في اختصاصاته لدى رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر الى غيرها من المسؤوليات الوطنية.