رجب حاجي يكتب لكم : متى الرجوع الى العقلانية فللصبر حدود !؟

كتب: د. رجب حاجي

سئم المواطن السياسة وما يدور حولها، اذ لا يشعر بشيء يلوح في الافق لتغيير أوضاعه التي تزداد سوءا يوما بعد يوم، وهو عاجز أمام الوعود الخلابة التي لا تصمد مع مرور الزمن. يبحث عن حقيقة الأفعال مذكرا بقولة غاندي  «أوقية من الممارسة، أفضل من أطنان من الكلام». لقد طال انتظاره، واديرت مشاكله اليومية بشكل مخيف، اصبح خطرا على البلاد، لأن الوضع الاقتصادي حساس و ان التطرف الآتي من الشارع، لا يمكن أن يتفاقم إلا في مجتمع يتيم، يتسم بقادة يعيشون خارج عصرهم، ويتشدقون بالنوايا الحسنة، ويضيعون أوقاتهم في زوبعة في فنجان، إذ يتخيلون أنهم في عصر عمر ابن الخطاب، او هارون الرشيد، يزرعون الريح لحصد العاصفة، و كثرة الجماعات والأحزاب والجمعيات هو دليل على الهروب  من المسؤولية ظاهريا، وخدمة لاتجاهات مقابل تمويل وإعانات معنوية ومادية في الخفاء.

     غابت الصحافة بأشكالها عن المسرح، واظهرت انها غير مؤهلة لمواجهة تحديات عصر الثورة الرقمية، حيث استمرت في التفاخر بمغامرات أولئك الذين قادوا البلاد إلى ما هي عليه اليوم: مثقلة بالديون، بدون خارطة طريق، تسير على الهامش، ولا أحد يعرف المنهج…

     إن الحق في المعرفة واجب يحمي سيادة البلاد من كل محاولات الهيمنة والتطرف، لذلك من واجب  على الصحفي المحترف متابعة ما أتت به الثورة والتشهير بالنقص في إدخاله حيز التنفيذ. بعيدًا عن اللجوء إلى الدعاية المهينة، والواجب يدعو الجميع إلى التفكير في تجديد اقتصاد البلاد، وتقديم تصور وإمكانيات لطموح الشباب، اذ لا يكفي التباهي به وهو يئن تحت البطالة، وبعدم الاكتراث بمشاكله، من الذين منحهم ثقته، وصوّت لفائدتهم، وبرهن عن استعداده لترويج نواياهم الطيبة.                   

      امتازت الصحافة إذا  بالثرثرة، و الحط من قيمة ما تعيشه البلاد من مآسي الحكم، وبلبلة الآراء في كيانه، وعدم البحث عن ابتزاز المال بالعنف والتهديد، ومركبنا تونس معطوب في المرفأ، يترقب التغيير الجذري، والانجاز الفوري، والاصلاح الجوهري، ولا يمكن ذلك باختيار التحرر الاقتصادي، ولا النفعية، ولا الفردية، وكل الاختيارات هاته غير كفيلة بدفعه الى النجاة، واختفى نبراس الأمل لكثرة الهذر من الذين يدعون قيادة الامة، والحفاظ على كيانها، واستقلالها مهدد،  وكفانا ذرعا من الإفراط في دقة الكلام، «وطارت النفحة» كما يردد هنا وهناك، لان الواقع مرير، وقد سطا الياس، وانعدمت الثقة، وكثر القيل والقال، وخرج القطار برمته عن السكة، والبلاد على شفا حفرة، تبحث عن من يرجع القوم الى الصواب، و العقلانية، لتصحيح المسار، وتعديل الطموحات مع واقع البلاد. فمن يطفأ نار الضغينة؟ ومن يعيد رص الصفوف لفائدة تونس لا غير، تزامنا مع ما أعادته الامطار الاخيرة من حياة إلى الطبيعة؟

         وللذين فوتوا الفرصة وتمادوا في اخطائهم، نذكرهم ان التاريخ لا يرحم، وعليهم بالاستدراك حتى لا يفوت الاوان،  و ليعلموا أن إحداث الفراغ نكبة على مرتكبيه، ولا أحد في مأمن اليوم من النقد الذاتي، وقراءة تقلبات الدهر، والعودة على الأعقاب لمزيد من البحث عن الحقيقة، وقد نزل الستار عن العجائب والغرائب السياسية التي امتازت به بلادنا بعد الثورة المجيدة،  ولاحت الحقيقة ساطعة للكشف عن من يرمي الى التمرد بالحكم او المكوث في دواليبه، ومن مجد فوزه، وركز نصره على غلبته، فهو في الحال والترحال رهين ظروف عشوائية، لم تكن بالحسبان، لا في مستوى الاحداث، ولا في مستوى القيم والاصالة، ولا مواكبة لمنعرجات التاريخ، الذي يريد بعضهم تحويل مجراه، ولا تنفع اذا استعمال «الشعبوية» للميل حيث تميل الرياح، و قد جفت الاقلام، ولزم رجال الفكر الصمت، وحان في هذه الفترة وقت التشخيص، والوقوف على الواقع، بكل تجرد  ليمكن من الحكم عن ما جرى وهل تم إحراز تقدم ملموس في جميع المجالات، منذ الثورة لوضع حد للمضاربة، ومناخ عدم اليقين السائد. وهي رسالة تبشر بوجود طيار على متن الطائرة، مستعد لاتخاذ القرارات الصحيحة في اوانها، شغله الشاغل  إنقاذ البلاد مع احترام ماضيها والاعتراف بأبطالها ويطرح شكلا  جديدا من الوحدة الوطنية، وهو  الذي يهاجمه سم الانقسام اليوم!

     دعونا نحتفظ بآمالنا في إنهاء الأزمة في اقرب وقت ممكن! وستكون فرصة استثنائية لوضع حد للتردد والخرق والألعاب السياسية، التي ميزت العشرية، ونعيد ندائنا الى الحكومة والبرلمان بإجبار الأحزاب السياسية على تقديم تقاريرها المالية السنوية و يمتد الاعلان عن المكاسب لأعضاء الحكومة، وكبار المسؤولين في الدولة، وليشمل البرلمانيين وأعضاء الديوان الرئاسي، مما يساعد على إضعاف شبكات المحسوبية، ويبعث الأمل في مصداقية نظافة اليد للمسؤول، ولنترك الحملات الانتخابية لأوانها، ونواجه وضعنا الاقتصادي الذي يثير الفزع كما بيناه سلقا في كتاباتنا، ولا يستحق لتأكيده لسبر آراء مفبرك مبني على طلب، يغذي الحروب الكلامية، ويؤدي الى تغليط الراي العام، لأنه لا يستجيب، كما هو في البلدان المتقدمة، الى هياكل رقابة، وتنظيم قانوني، وليس له، في مجمله، اهمية اكثر من ما يستحق، فلنجتنبه لفائدة تونس.

هوامش

رجب حاجي : دكتور في الاحصائيات- دكتور في الاقتصاد- شهادة تكوين مستمر

بجامعة هارفارد الأمريكية – ألف أربع كتب في علم الإحصاء في المستوى الجامعي- أول رئيس بلدية ملولش- شغل رئيس ديوان المرحوم محمد الصياح عشرات السنين ورئيس ديوان وزيرة الصحة ومكلف بمهمة في اختصاصاته لدى رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر اطال الله عمره الى غيرها من المسؤوليات الوطنية…